للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

ومن يعمل من الأعمال الصالحة من ذكر أو أنثى، وهو مؤمن بالله تعالى وبما أنزل من الحق، فأولئك يدخلهم الله الجنة دار النعيم المقيم، ولا يُنْقَصون من ثواب أعمالهم شيئًا، ولو كان مقدار النقرة في ظهر النواة.

سبب النزول:

قال مسروق: " لما نزلت: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ} (١)، قال أهل الكتاب: نحن وأنتم سواء! فنزلت هذه الآية: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ} " (٢).

وقال أبو صالح: " أبي صالح قال: جلس ناس من أهل الإيمان وأهل التوراة وأهل الإنجيل، فقال هؤلاء: نحن أفضل، وقال هؤلاء: نحن أفضل، فأنزل الله تعالى: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} (٣)، ثم خص الله أهل الإيمان، فأنزل: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ} " (٤).

قوله تعالى: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ} [النساء: ١٢٤]، " أي: ومن يعمل الأعمال الصالحة سواءً كان ذكراً أو أنثى وهو مؤمن بالله تعالى وبما أنزل من الحق" (٥).

قال السمرقندي: " يعني: يؤدي الفرائض وينتهي عن المحارم من رجل أو امرأة، وهو مصدق بالثواب والعقاب" (٦).

قال المراغي: " أي: ومن يعمل كل ما يستطيع عمله من الأعمال التي تصلح بها النفوس فى أخلاقها وآدابها وأحوالها الاجتماعية، سواء كان العامل ذكرا أو أنثى وهو مطمئن القلب بالإيمان" (٧).

قال ابو السعود: " أي بعض الصالحات، أو شيئا منها، فإن كل أحد لا يتمكن من كلها وليس مكلفا به، وقوله: {وهو مؤمن}، حال شرط اقتران العمل بها في استدعاء الثواب المذكور تنبيها على أنه لا اعتداد به دونه" (٨).

قال مقاتل: " {وهو مؤمن}، بتوحيد الله- عز وجل-" (٩).

قال السدي: " أبى أن يقبل الإيمان إلا بالعمل الصالح، وأبَى أن يقبل الإسلام إلا بالإحسان" (١٠).

ولسبب دخول {مِنَ} التبعيض، في قوله: {مِنَ الصَّالِحَاتِ} [النساء: ١٢٤]، قولان (١١):

أحدهما: أن يكون الله قد علم أن عبادَه المؤمنين لن يُطيقوا أن يعملوا جميع الأعمال الصالحات، فأوجب وَعده لمن عمل ما أطاق منها، ولم يحرمه من فضله بسبب ما عجزتْ عن عمله منها قوّته.

والثاني: أن يكون تعالى ذكره أوجب وعدَه لمن اجتنب الكبائر وأدَّى الفرائض، وإن قصر في بعض الواجب له عليه، تفضلا منه على عباده المؤمنين، إذ كان الفضل به أولى، والصفح عن أهل الإيمان به أحرَى.

قال الزمخشري: " فإن قلت: ما الفرق بين «من» الأولى والثانية؟

قلت: الأولى للتبعيض، أراد: ومن يعمل بعض الصالحات لأن كلا لا يتمكن من عمل كل الصالحات لاختلاف الأحوال، وإنما يعمل منها ما هو تكليفه وفي وسعه. وكم من مكلف لا حج عليه ولا جهاد ولا زكاة، وتسقط عنه الصلاة في بعض الأحوال.

والثانية لتبيين الإبهام في: {من يعمل} " (١٢).

عن ابن عباس، "أن ابن عمر لقيه حزينا سأله عن هذه الآية: {ومن يعمل من الصالحات}، قال: الفرائض" (١٣).


(١) [سورة النساء: ١٢٣].
(٢) أخرجه الطبري (١٠٤٩١): ص ٩/ ٢٢٨، وابن أبي حاتم (٦٠٠٠): ص ٤/ ١٠٧٢ - ١٠٧٣. بزيادة: " قال: ففلجوا عليهم".
(٣) [سورة النساء: ١٢٣].
(٤) أخرجه الطبري (١٠٤٩٧): ص ٩/ ٢٣٠ - ٢٣١، وابن أبي حاتم (٦٠٠١): ص ٤/ ١٠٧٣.
(٥) صفوة التفاسير: ٢٨٢، والتفسير الميسر: ٩٨.
(٦) تفسير السمرقندي: ١/ ٣٤١.
(٧) تفسير المراغي: ٥/ ١٦٦.
(٨) تفسير ابي السعود: ٢/ ٢٣٦.
(٩) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٠٩.
(١٠) أخرجه الطبري (١٠٥٣٥): ص ٩/ ٢٤٨.
(١١) انظر: تفسير الطبري: ٩/ ٢٤٩.
(١٢) الكشاف: ١/ ٥٦٨.
(١٣) اخرجه ابن ابي حاتم (٥٩٩٩): ص ٤/ ١٠٧٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>