قوله تعالى: {وَإِنْ تَلْوُوا} [النساء: ١٣٥]، أي: " وإن تحرفوا الشهادة بألسنتكم فتأتوا بها على غير حقيقتها" (١).
و«الليّ»: المطل، يقال: لواه بدينه يلويه ليا وليانا مطله (٢)، قال الشاعر (٣):
قد كُنْتُ دَايَنْت به حَسَّانَا ... مَخَافَةَ الإفْلاسِ واللّيَانَا
وقال ذو الرمة (٤):
تُطيلينَ ليَّاني وأنتِ مليَّةٌ ... وأُحسنُ يا ذاتَ الوشاحِ التَّقاضيا
وفي الحديث: "لَىُّ الْواحِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُبَتَه" (٥).
وفي تفسير قوله تعالى: {وَإِنْ تَلْوُوا} [النساء: ١٣٥]، ثلاثة وجوه:
أحدها: معناه: أنه خطاب للشهود، معناه: أن تلوي بلسانك بغير الحق، وهي اللجاجة فلا يقيم الشهادة على وجهها. وهذا قول ابن عباس-في أحد قوليه- (٦)، وروي عن قتادة (٧)، ومقاتل (٨)، وعطاء الخرساني (٩)، وعطية (١٠)، وسعيد بن جير (١١)، والضحاك (١٢)، والسدي (١٣)، ومقاتل بن الحيان (١٤)، نحو هذا المعنى.
والثاني: أنه خطاب للحكام، معناه: ليّ القاضي وإعراضه لأحد الرجلين على الآخر. وهذا قول ابن عباس-في قوله الآخر (١٥).
والثالث: انه تحريف الشهادة. وهذا قول مجاهد (١٦)، والسدي (١٧).
والصواب –والله اعلم- "أنه لَيُّ الشاهد شهادته لمن يشهد له وعليه، وذلك تحريفه إياها بلسانه، وتركه إقامتها، ليبطل بذلك شهادته لمن شهد له، وعمن شهد عليه، لأن الله جل ثناؤه قال {كونوا قوامين بالقسط شهداء الله}، فأمرهم بالقيام بالعدل شهداء " (١٨).
قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم والكسائى: «تلووآ» بواوين، الأولى مضمومة والثانية ساكنة، وقرأ حمزة وابن عامر: «وإن تلوا»، بواو واحدة واللام مضمومة (١٩).
قوله تعالى: {أَوْ تُعْرِضُوا} [النساء: ١٣٥]، أي: " أو تعرضوا عنها بترك أدائها أو بكتمانها" (٢٠).
عن ابن عباس قوله: " {أو تعرضوا}، يعني: الشهادة" (٢١). وروي عن سعيد بن جبير، ومقاتل بن حيان نحو ذلك (٢٢).
وعن ابن عباس ايضا: " الإعراض: الترك" (٢٣).
(١) التفسير الميسر: ١٠٠.
(٢) انظر: تفسير القرطبي: ٤/ ١٢١.
(٣) الرجز لرؤية بن العجاج، انظر: "ديوانه" ص ١٨٧، "الكتاب" ١/ ١٩١، "الحجة" لأبي علي ٦/ ١٦٠، وداينت: من المداينة وهي البيع بالدين، بها أي بالإبل، وحسان: اسم رجل، والليان: مصدر لويته بالدين لياً ولياناً إذا مطلته، يقول: داين بالإبل حسان لأنه رجل مليء لا يماطل مخافة أن يداين غير حسان ممن ليس بمليء فيماطل لإفلاسه، انظر: "الكتاب" ١/ ١٩١.
(٤) ديوانه ١٣٠٦، وجمهرة اللغة، مادة: "ل ي ي": ص: ١/ ١٦٩.، و"لوه": ٢/ ٩٨٩،
(٥) أخرجه النسائى من طريقيه فى البيوع (باب مطل الغنى): المجتبى: ٧/ ٢٧٨؛ وابن ماجه فى الصدقات (باب الحبس فى الدين والملازمة): سنن ابن ماجه: ٢/ ٨١١؛ وأخرجه أبو داود فى الأقضية (باب فى الحبس فى الدين وغيره): سنن أبى داود: ٣/ ٣١٣.
(٦) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦٠٩٧)، و (٦٠٩٦): ص ٤/ ١٠٨٩.
(٧) انظر: تفسير الطبري (١٠٦٩٥): ص ٩/ ٣٠٩.
(٨) انظر: تفسير الطبري (١٠٦٨٩): ص ٩/ ٣٠٨.
(٩) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦٠٩٧): ص ٤/ ١٠٨٩.
(١٠) انظر: تفسير الطبري (١٠٦٩٣): ص ٩/ ٣٠٩، وتفسير ابن ابي حاتم (٦٠٩٧): ص ٤/ ١٠٨٩.
(١١) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦٠٩٧): ص ٤/ ١٠٨٩.
(١٢) انظر: تفسير الطبري (١٠٦٩٤): ص ٩/ ٣٠٩، وتفسير ابن ابي حاتم (٦٠٩٧): ص ٤/ ١٠٨٩.
(١٣) انظر: تفسير الطبري (١٠٦٩٠): ص ٩/ ٣٠٨، وتفسير ابن ابي حاتم (٦٠٩٧): ص ٤/ ١٠٨٩.
(١٤) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦٠٩٧): ص ٤/ ١٠٨٩.
(١٥) انظر: تفسير الطبري (١٠٦٨٣): ص ٩/ ٣٠٧، وتفسير ابن ابي حاتم (٦٠٩٨): ص ٤/ ١٠٨٩.
(١٦) تفسير الطبري (١٠٦٨٧)، و (١٠٦٨٨): ص ٩/ ٣٠٨.
(١٧) انظر: تفسير الطبري (١٠٦٩٠): ص ٩/ ٣٠٨، وتفسير ابن ابي حاتم (٦٠٩٩): ص ٤/ ١٠٨٩.
(١٨) تفسير الطبري: ٩/ ٣٠٩ - ٣١٠.
(١٩) انظر: السبعة: ٢٣٩، ومعاني القرآن للفرا: ١/ ٢٩١.
(٢٠) التفسير الميسر: ١٠٠.
(٢١) أخرجه ابن ابي حاتم (٦١٠٠): ص ٤/ ١٠٨٩.
(٢٢) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦١٠٠): ص ٤/ ١٠٨٩.
(٢٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٦١٠١): ص ٤/ ١٠٩٠.