قال ابن كثير: " يعنى أن المنافقين من هذه الصفة فإنهم آمنوا ثم كفروا، فطبع على قلوبهم" (١).
قال الزمخشري: " وضع {بشر} مكان: أخبر، تهكما بهم" (٢).
قال الزجاج: " قال: {بشّر}، أي: اجعل في مكان بشارتهم {لَهُمْ العَذَابُ}، العرب تقول: تَحيتكَ الضرْبُ، وعتابك السيف، أي لك - بدلًأ من
التحية. . . هذا، قال الشاعر (٣):
وَخَيْلٍ قدْ دَلَفْتٌ لَها بِخَيْلٍ ... تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وَجِيعٌ" (٤).
قوله: دَلَفْتُ، أي: قَصَدْتُ، فجعل التحية ضربا (٥).
قال الماتريدي: " البشارة المطلقة المرسلة لا تكون إلا بالخير خاصة، وأما إذا كانت مقيدة مفسرة فإنها تجوز في الشر؛ كقوله - تعالى -: {بشر المنافقين بأن لهم} كذا، وكذلك قوله - تعالى -: {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [آل عمران: ٢١، التوبة: ٣٤، الانشقاق: ٢٤]، وفي القرآن كثير، ما ذكرها في الشر إلا مفسرة مقيدة" (٦).
قوله تعالى: {بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [النساء: ١٣٨]، أي: " بأن لهم عذابًا موجعًا" (٧).
قال الطبري: " وذلك عذاب جهنم" (٨).
قال مقاتل: " يعني: وجيعا" (٩).
قال الزجاج: " معنى «أليم»: موجع" (١٠).
قال ابو العالية: "الأليم الموجع في القرآن كله" (١١). قال ابن ابي حاتم: " وكذلك فسره ابن عباس، وسعيد بن جبير، والضحاك بن مزاحم، وقتادة، وأبو مالك، وأبو عمران الجوفي، ومقاتل بن حيان" (١٢).
وكذلك فسره ابن عباس، وسعيد بن جبير، والضحاك بن مزاحم، وقتادة، وأبو مالك، وأبو عمران الجوفي، ومقاتل بن حيان.
قال الطبري: " يعني: بأن لهم يوم القيامة من الله على نفاقهم {عذابًا أليمًا}، وهو المُوجع، وذلك عذاب جهنم" (١٣).
الفوائد:
١ - أن الآية تبشر الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر، بأقبح بشارة وأسوئها، وهو العذاب الأليم.
٢ - أن سبب بشارة المنافقين بالعذاب الموجع، هو محبتهم الكفار وموالاتهم ونصرتهم، وتركهم لموالاة المؤمنين.
٣ - ومن الفوائد: أن النفاق يكون على قسمين (١٤):
أحدهما: النفاق العملي (نفاق الاصغر)، وهو من كبائر الذنوب، فمن صوره كما هو مذكور في حديث الرسول-صلى الله عليه وسلم-: «علامة المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان» (١٥).
والثاني: النفاق الاعتقادي (نفاق الاكبر): وهو أن يبطن الشخص الكفر في قلبه ويظهر الإسلام.
(١) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٣٤.
(٢) الكشاف: ١/ ٥٧٧.
(٣) البيت لعمرو بن معد يكرب الزبيدي، كما في: شعره ١٤٩، وقد ورد منسوبًا له في: نوادر أبي زيد: ١٥٠، و"العمدة" لابن رشيق ٢/ ١٠٥٦، و"الممتع في صنعة الشعر" ١٥٩، وأوردته المصادر التالية غير منسوب: "كتاب سيبويه" ٢/ ٢٣٢، و"المقتضب" ٢/ ٢٠، ٤/ ٤١٣، و"الخصائص" ١/ ٣٦٨، و"مفردات ألفاظ القرآن" ١٢٦، ٨٣٥، و"المحرر الوجيز" ٣/ ٣٧٥، و"شرح المفصل" ٢/ ٨٠، و"التصريح" ١/ ٣٥٣، و"خزانة الأدب" ٩/ ٢٥٧، ٢٦٣؛ حيث ذكر نسبته للشاعر ولم يجزم بذلك.
أراد الشاعرُ بـ (الخيل) الأولى: خيل الأعداء، وبالثانية: خيلَه. والخيل -هنا-، يعني بها: الفُرسان. و (دَلَفْتُ): دَنَوْتُ وزَخفْتُ؛ يقال: (دَلَفَ الشيخ): إذا مَشى مَشْيًا لَيِّنًا. انظر: "خزانة الأدب" ٩/ ٢٦٤.
(٤) معاني القرآن: ٢/ ١٢٠.
(٥) انظر: معاني القرآن للأخفش: ١/ ١٣٤.
(٦) تفسير الماتريدي: ٣/ ٣٩٠.
(٧) التفسير الميسر: ١٠٠.
(٨) تفسير الطبري: ٩/ ٣١٨.
(٩) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤١٥.
(١٠) معاني القرآن: ٢/ ١٢٠.
(١١) أخرجه ابن ابي حاتم (٦١٢٠): ص ٤/ ١٠٩٢.
(١٢) تفسير ابن ابي حاتم ٤/ ١٠٩٢.
(١٣) تفسير الطبري: ٩/ ٣١٨.
(١٤) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام: ١١/ ١٤٠ - ١٤٥.
(١٥) صحيح البخاري: كتاب الإيمان، حديث رقم ٣٣ وصحيح مسلم: كتاب الإيمان، حديث رقم ١٢٤.