يعني بقوله: " وأحوذ جانبيها "، غلبها وقهرَها حتى حاذ كلا جانبيها، فلم يشذّ منها شيء، وكان القياس في قوله: {اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ}، أن يأتي: " استحاذ عليهم "، لأن " الواو " إذا كانت عين الفعل وكانت متحركة بالفتح وما قبلها ساكن، جعلت العرب حركتها في " فاء " الفعل قبلها، وحوَّلوها «ألفًا»، متبعة حركة ما قبلها، كقولهم: استحال هذا الشيء عما كان عليه، من: حال يحول، واستنار فلان بنور الله، من: النور، واستعاذ بالله: من عاذ يعوذ، وربما تركوا ذلك على أصله كما قال لبيد: " وأحوذ "، ولم يقل " وأحاذ "، وبهذه اللغة جاء القرآن في قوله: {اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ} (١).
قال الماوردي: " وأصل الاستحواذ الغلبة، ومنه قوله تعالى: {اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ} [المجادلة: ١٩]، يعني: غلب عليهم " (٢).
وفي قوله تعالى: {وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء: ١٤١]، ثلاثة وجوه (٣):
أحدها: نمنعكم منهم بتخذيلهم عنكم.
والثاني: بما نعلمكم من أخبارهم.
والثالث: بصرفنا إياكم عن الدخول عن الإيمان.
قال ابن الجوزي: "ومراد الكلام: إظهار المنة من المنافقين على الكفار، أي: فاعرفوا لنا هذا الحق عليكم" (٤).
وقرئ: «ونمنعكم»، بالنصب بإضمار «أن»، قال الحطيئة (٥):
ألم أك جاركم ويكون بينى ... وبينكم المودة والإخاء (٦)
قوله تعالى: {فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [النساء: ١٤١]، أي: " فالله تعالى يقضي بينكم وبينهم يوم القيامة" (٧).
قوله تعالى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} [النساء: ١٤١]، أي: " ولن يجعل الله للكافرين طريقًا للغلبة على عباده الصالحين" (٨).
قال مقاتل: " يعني: حجة أبدا" (٩).
قال الزجاج: " أي: إِن اللَّه ناصِرُ المؤمنين بالحجة والغلبة، فلن يجعل للكافرين أبداً على المؤْمنين سَبِيلًا" (١٠).
وفي قوله تعالى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} [النساء: ١٤١]، ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه يعني: هو سبيل الحجة، أي: لا تكون الحجة للكافرين على المؤمنين أبدا، وهذا معنى قول السدي (١١).
قال الجصاص: " يعني: فيما فعلوا بهم من قتلهم وإخراجهم من ديارهم فهم في ذلك ظالمون لا حجة لهم فيه" (١٢).
والثاني: أن المراد: سبيلاً في الآخرة، وهذا قول عليّ (١٣)، وابن عباس (١٤)، وأبي مالك (١٥)، وعطاء الخراساني (١٦).
(١) انظر: تفسير الطبري: ٩/ ٣٢٦ - ٣٢٧.
(٢) النكت والعيون: ١/ ٥٣٧.
(٣) انظر: زاد المسير: ١/ ٤٨٨.
(٤) زاد المسير: ١/ ٤٨٨.
(٥) ديوانه: ٥٤.
(٦) انظر: الكشاف: ١/ ٥٧٨.
(٧) التفسير الميسر: ١٠١.
(٨) التفسير الميسر: ١٠١.
(٩) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤١٦.
(١٠) معاني القرآن: ٢/ ١٢٢.
(١١) انظر: تفسير الطبري (١٠٧٢٠): ص ٩/ ٣٢٨.
(١٢) أحكام القرآن: ٣/ ٢٧٩.
(١٣) انظر: تفسير الطبري (١٠٧١٧): ص ٩/ ٣٢٧ - ٣٢٨.
(١٤) انظر: تفسير الطبري (١٠٧١٩): ص ٩/ ٣٢٨.
(١٥) انظر: تفسير الطبري (١٠٧١٨): ص ٩/ ٣٢٨.
(١٦) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦١٣٥): ص ٤/ ١٠٩٥.