والسادس: ما يعطيهم في الآخرة من النور الذي يمشون به مع المؤمنين، فإذا جاؤوا إلى الصراط طفىء نورهم، فتلك خديعة الله إياهم. وهذا قول الحسن (١)، والسدي (٢)، وابن جريج (٣).
قال ابن كثير: " قوله: {وَهُوَ خَادِعُهُمْ} أي: هو الذي يستدرجهم في طغيانهم وضلالهم، ويخذلهم عن الحق والوصول إليه في الدنيا وكذلك في يوم القيامة كما قال تعالى: {يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ. يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ. فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [الحديد: ١٣ - ١٥] وقد ورد في الحديث: «من سَمَّع سَمَّع الله به، ومن راءي راءي الله به» (٤)، وفي حديث آخر: «إن الله يأمر بالعبد إلى الجنة فيما يبدو للناس، ويعدل به إلى النار» (٥)، عياذًا بالله من ذلك" (٦).
وقرأ مسلمة بن عبد الله النحوي: «وهو خادعهم» بإسكان العين، وذلك على التخفيف (٧).
قوله تعالى: {وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى} [النساء: ١٤٢]، أي: " وإذا قام هؤلاء المنافقون لأداء الصلاة، قاموا إليها في فتور" (٨).
قال الواحدي: أي: " متثاقلين" (٩).
قال ابن كثير: " هذه صفة المنافقين في أشرف الأعمال وأفضلها وخيرها، وهي الصلاة. إذا قاموا إليها قاموا وهم كسالى عنها؛ لأنهم لا نية لهم فيها، ولا إيمانَ لهم بها ولا خشية، ولا يعقلون معناها، فقوله تعالى: {وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى} هذه صفة ظواهرهم، كما قال: {وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلا وَهُمْ كُسَالَى} [التوبة: ٥٤] " (١٠).
قال ابن عطية: " وتلك حال كل من يعمل العمل كارها غير معتقد فيه الصواب تقية أو مصانعة" (١١).
عن سماك الحنفي، عن ابن عباس" أنه كان يكره أن يقول الرجل: إني كسلان ويتأول هذه الآية: {وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى} " (١٢).
ويحتمل قوله تعالى: {وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى} [النساء: ١٤٢]، وجهين (١٣):
أحدهما: متثاقلين.
والثاني: مقصَّرين.
وقرأ ابن هرمز الأعرج: «كسالى» بفتح الكاف (١٤).
قوله تعالى: {يُرَاءُونَ النَّاسَ} [النساء: ١٤٢]، أي: " يقصدون بصلاتهم الرياء والسمعة" (١٥).
قال ابن زيد: " هم المنافقون، لولا الرياء ما صلُّوا" (١٦).
قال الواحدي: " ليرى ذلك النَّاس لا لاتِّباع أمر الله يعني: ليراهم النَّاس مُصلِّين لا يريدون وجه الله" (١٧).
قال الماوردي: "يعني: أنهم يقصدون بما يفعلونه من البر رياء الناس دون طاعة الله تعالى" (١٨).
(١) انظر: تفسير الطبري (١٠٧٢٣): ص ٩/ ٣٣٠.
(٢) انظر: تفسير الطبري (١٠٧٢١): ص ٩/ ٣٢٩.
(٣) انظر: تفسير الطبري (١٠٧٢٢): ص ٩/ ٣٢٩ - ٣٣٠.
(٤) صحيح البخاري برقم (٦٤٩٩) وصحيح مسلم برقم (٢٧٨٧).
(٥).
(٦) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٣٧ - ٤٣٨.
(٧) انظر: المحرر الوجيز: ٢/ ١٢٧.
(٨) التفسير الميسر: ١٠١.
(٩) الوجيز: ٢٩٧.
(١٠) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٣٨.
(١١) المحرر الوجيز: ٢/ ١٢٧.
(١٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٦١٣٩): ص ٤/ ١٠٩٦.
(١٣) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٣٨.
(١٤) انظر: المحرر الوجيز: ٢/ ١٢٧.
(١٥) التفسير الميسر: ١٠١.
(١٦) أخرجه الطبري (١٠٧٢٥): ٩/ ٣٣١.
(١٧) الوجيز: ٢٩٧.
(١٨) النكت والعيون: ١/ ٥٣٨.