للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

قال المراغي: " أي ولكن الشياطين من الإنس والجن الذين نسبوا إليه ما انتحلوه من السحر ودوّنوه وعلموه الناس هم الذين كفروا" (١).

قال الزمخشري: أي: "ولكن الشياطين هم الذين كَفَرُوا باستعمال السحر وتدوينه، يقصدون به إغواء الناس وإضلالهم" (٢).

قال قتادة: " ولكنه شيء افتعلته الشياطين، وذكر لنا أن الشياطين ابتدعت كتبا، وكتبت سحرا وأمرا عظيما في الناس وعلموهم إياه" (٣).

وقال الحسن: " اتباع السحر كفر، وليس من دين سليمان السحر. يقول: ولكن الشياطين كفروا بتركهم دين سليمان، واتباعهم ما تلت الشياطين على ملكه" (٤).

قال ابن عباس: " {يعلمون الناس السحر}، يعني: الصحف التي دفنوها" (٥).

وذكروا في قوله تعالى: {وَلَكْنَّ الشَيَاطِينَ كَفَرُوا} [البقرة: ١٠٢]، وجهين (٦):

أحدهما: أنهم كفروا بما نسبوه إلى سليمان من السحر.

والثاني: أنهم كفروا بما استخرجوه من السحر.

وفي قوله تعالى: {يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} [البقرة: ١٠٢]، وجهان من التفسير (٧):

أحدهما: أنهم ألقوه في قلوبهم فتعلموه.

والثاني: أنهم دلوهم على إخراجه من تحت الكرسي فتعلموه.

واختلفت القراءة في قوله تعالى: {وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا} [البقرة: ١٠٢]، على وجهين (٨):

أحدهما: قرأ نافع وابن كثير وعاصم وأبو عمرو بتشديد نون (لكنَّ)، ونصب (الشياطينَ).

والثاني: وقرأ الباقون بتخفيف نون (لكن) وإسكانها ثم كسرها تخلصاً من التقاء الساكنين؛ و (الشياطينُ) برفع النون.

فعلى القراءة الأولى تكون الواو حرف عطف، و (لكنّ) حرف استدراك يعمل عمل "إنّ" ينصب الاسم، ويرفع الخبر، و (الشياطينَ) اسمها، وجملة: (كفروا) خبرها؛ وعلى قراءة التخفيف تكون الواو للعطف، و (لكن) حرف استدراك مبني على السكون حُرِّك بالكسر لالتقاء الساكنين، و (الشياطين) مبتدأ، وجملة: (كفروا) خبر المبتدأ (٩).

قال الرازي: " والمعنى واحد، وكذلك في الأنفال: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأنفال: ١٧]، والاختيار أنه إذا كان بالواو كان التشديد أحسن، وإذا كان بغير الواو فالتخفيف أحسن، والوجه فيه أن "لكن" بالتخفيف يكون عطفا فلا يحتاج إلى الواو لاتصال الكلام، والمشددة لا تكون عطفا لأنها تعمل عمل (إن) " (١٠).

و{الشَّيَاطِينَ} جمع شيطان؛ وجاءت بالجمع؛ لأن الشياطين يوحي بعضهم إلى بعض، ويعلم بعضهم بعضاً (١١).


(١) تفسير المراغي: ١/ ١٨٠.
(٢) الكشاف: ١/! ٧٢. [بتصرف بسيط].
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٩٩٢): ص ١/ ١٨٧.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٩٩٣): ص ١/ ١٨٧.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٩٩٥): ص ١/ ١٨٧.
(٦) انظر: النكت والعيون: ١/ ١٦٤.
(٧) انظر: النكت والعيون: ١/ ١٦٤ - ١٦٥.
(٨) انظر: السبعة في القراءات: ١٦٨.
(٩) انظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٧١
(١٠) تفسير الرازي: ٣/ ١٩٨.
(١١) انظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٧١ - ١٧٢.

<<  <  ج: ص:  >  >>