للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

قوله تعالى: {وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ} [البقرة: ١٠٢]، أ"ي ولبئس هذا الشيء الذي باعوا به أنفسهم" (١).

قال السدي: " يعني: اليهود، يقول: بئس ما باعوا به أنفسهم" (٢).

قال الثعلبي: " باعوا به حظّ أَنْفُسَهُمْ حين اختاروا السّحر والكفر على الدين والحق" (٣).

قال ابن عثيمين: " أي باعوا به أنفسهم؛ لأنهم في الحقيقة لما اشتروا السحر، الثمن الذي بذلوه في هذا السحر: أنفسهم؛ لأنهم في الحقيقة خسروا أنفسهم؛ صارت الدنيا الآن ليس لهم فيها ربح إطلاقاً؛ والآخرة ليس لهم فيها ربح أيضاً؛ فخسروا الدنيا، والآخرة" (٤).

وفي قوله تعالى: {وَلَبِئْسَ مَا شَرَوا بِهِ أَنفُسَهُم} [البقرة: ١٠٢]، تأويلان (٥):

أحدهما: يعني ولبئس ما باعوا به أنفسهم من السحر والكفر في تعليمه وفعله.

والثاني: من إضافتهم السحر إلى سليمان، وتحريضهم على الكذب.

وقوله {شَرَوْا} أي: باعوا (٦)، والشراء والبيع واحد، لكنه غلب من جهة معطي الثمن كما غلب البيع من جهة صاحب السلعة (٧).

قوله تعالى: {لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [البقرة: ١٠٢]، أي" لو كان لهم علم أو فهم وإِدراك" (٨).

قال ابن عثيمين: أي: " لو كانوا من ذوي العلم المنتفعين بعلمهم ما تعلموا السحر" (٩).

قال القرطبي: "فأخبر أنهم لا يعلمون" (١٠).

قال الزمخشري: " معناه: لو كانوا يعملون بعلمهم، جعلهم حين لم يعملوا به كأنهم منسلخون عنه" (١١).

واختلف في تحديد المعنيين في قوله تعالى: {وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [البقرة: ١٠٢]، على قولين (١٢):

الأول: قال قطرب والأخفش: أن يكون الذين يعلمون الشياطين، والذين شروا أنفسهم - أي باعوها - هم الإنس الذين لا يعلمون (١٣).

والثاني: قال علي بن سليمان: "الأجود عندي أن يكون "ولقد علموا" للملكين، لأنهما أولى بأن يعلموا. وقال: "علموا" كما يقال: الزيدان قاموا" (١٤).

وإن قيل: كيف نفى العلم عنهم، ولقد أثبت العلم لهم في قوله: {وَلَقَدْ عَلِمُوا}؟ ، أجيب عنه من وجهين:


(١) صفوة التفاسير: ١/ ٧٤.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٣٠): ص ١/ ١٩٥، وتفسير الطبري (١٧١٦): ص ٢/ ٤٥٥.
(٣) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٥١.
(٤) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣٣٠.
(٥) انظر: النكت والعيون: ١/ ١٦٩.
(٦) انظر: مجاز القرآن لأبي عبيدة: ١/ ٤٨، معاني القرآن للفراء: ١/ ٥٦، جامع البيان للطبري: ٢/ ٤٥٥، تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: ١/ ٦٠، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٢/ ٥٦، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ١٢٥، معالم التنزيل للبغوي: ١/ ١٣٢.
(٧) مراده أن كلاً مِنْ باع وشرى يطلق على البيع والشراء بمعنى إعطاء السلعة وأخذ ثمنها، وأخذ السلعة وإعطاء ثمنها، أي: أنهما من الأضداد وبذلك قال أئمة اللغة، انظر: معاني القرآن للفراء: ١/ ٥٦، الأضداد لابن الأنباري: ٧٢ - ٧٣، لسان العرب لابن منظور: ١/ ٤٠١ و: ٤/ ٢٢٥٢، الصحاح للجوهري: ٣/ ١١٨٩ و: ٦/ ٢٣٩١، وغيرها.
(٨) صفوة التفاسير: ١/ ٧٤.
(٩) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣٣٠.
(١٠) تفسير القرطبي: ٢/ ٥٦.
(١١) الكشاف: ١/ ١٧٣.
(١٢) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٥٦.
(١٣) انظر: معاني القرآن ١/ ٢٣٩، وذكر كلاهما الرازي في تفسيره: ٣/ ٦٣٣.
(١٤) تفسير القرطبي: ٢/ ٥٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>