للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه" (١) الحديث، فمنع من الإقدام على الشبهات مخافة الوقوع في المحرمات، وذلك سدا للذريعة.

وقال صلى الله عليه وسلم: " لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذراً لما به البأس" (٢).

وقال صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ" قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ قَالَ: "يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ، فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أَمَّهُ" (٣)، فجعل التعرض لسب الآباء كسب الآباء.

وقال صلى الله عليه وسلم: "إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم" (٤).

قلت-الإمام القرطبي-: فهذه هي الأدلة التي لنا على سد الذرائع، وعليه بنى المالكية كتاب الآجال وغيره من المسائل في البيوع وغيرها. وليس عند الشافعية كتاب الآجال. لأن ذلك عندهم عقود مختلفة مستقلة، قالوا: وأصل الأشياء على الظواهر لا على الظنون. والمالكية جعلوا السلعة محللة ليتوصل بها إلى دراهم بأكثر منها، وهذا هو الربا بعينه، فاعلمه (٥).

الفوائد:

١ - أنه إذا ذكر باب ممنوع مسدود أمام الناس، فإن الحكمة تقتضي أن يذكر لهم ما يستغنون به عنه من الأشياء المباحة، لهذا قال: {وَقُولُوا انْظُرْنَا} فهو لم ينههم ويجعلهم عائمين لا يدرون ما يقولون، بل أرشدهم إلى القولة المباحة النافعة، وهي: {انظرنا}.

٢ - تصدير الخطاب بالنداء للتنبيه والعناية والاهتمام.


(١) رواه مسلم (٢٩٩٦).
(٢) أخرجه الترمذي (ك ٣٤ / صفة القيامة / ب ١٩ / ح ٢٤٥١)، قال حدثنا أبو بكر بن أبي النضر قال: حدثنا أبو النضر قال: حدثنا أبو عقيل الثقفي عبد الله بن عقيل قال: حدثنا عبد الله بن يزيد قال: حدثني ربيعة بن يزيد وعطية بن قيس عن عطية وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ... الحديث " وقال الترمذي: " هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ".
وأخرجه ابن ماحة (ك ٣٧ / الزهد / ب ٢٤ / ح ٤٢١٥) من طريق أبي بكر بن أبي شيبة به.
وأخرجه الحاكم (ك ٤٧ / الرقاق / ب ٣٣٠٢ / ح ٧٩٦٩) من طريق عبد الله بن الحسين قال حدثنا الحارث بن أبي أسامة به بنحوه وقال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
وأخرجه القضاعي في مسنده (٢/ ٧٤، ٧٥، ٧٦ /ح ٩٠٩، ٩١٠، ٩١١، ٩١٢) من طرق عن أبي النضر به لكن في طريق أبي الحسن الهمداني (لما به بأس).
وأخرجه البيهقي في السنن (٥/ ٣٣٥ / كتاب البيوع) من طريق أبي طاهر الفقيه قال أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان قال حدثنا أبو الأزهر به.
وأخرجه المزي في تهذيب الكمال (١٦/ ٣٢٠) بسنده من طريق أبي بكر بن أبي شيبة به بلفظ (لما به بأس).
وعزاه الألباني أيضا في غاية المرام (ص ١٠٥) لعبد بن حميد في المنتخب من المسند وابن عساكر في التاريخ من طريق أبي عقيل عن عبد الله بن يزيد به، ولست أدري هل هو عند هذين بنفس لفظ حديث الترجمة أم بنحوه أم بمعناه.
(٣) رواه البخاري- كتاب الأدب، باب لا يسب الرجل والديه- حديث: ٥٦٣٦، ومسلم- كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها- حديث: ١٥٥.
(٤) رواه كل من: ابي داود في سننه ٣٤٦٢/وابن عدي في كامل الضعفاء ٧/ ٧١/وابو نعيم في حلية الاولياء ٥/ ٢٣٧، وللبهيقي في السنن الكبرى ٥/ ٣١٦، وابن القطان في الوهم والايهام ٥/ ٧٧١، وابن القطان في الوهم والايهام ٥/ ٢٩٤، والمنذري في الترغيب والترهيب ٢/ ٢٨٨، وابن تيمية في مجموع الفتاوى ٢٩/ ٣٠، وبيان الدليل لابن تيمية: ١٠٩، والقواعد النورانية لابن تيمية ١٧٥، المحررمحمد ابن عبد الهادي ٣١٥، والذهبي في ميزان الاعتدال ٤/ ٥٤٧، وفي الدراية لابن حجر العسقلاني ٢/ ١٥١، وفي بلوغ المرام لابن حجر العسقلاني ٢٤٥، والاجوبة المرضية للسخاوي ١/ ٢١٣، والجامع الصغير للسيوطي ٥١٤، ونيل الاوطار للشوكاني ٥/ ٣١٨، والسيل الجرار للشوكاني ٣/ ٨٨، وفتح الغفار للرباعي ١٢٠٧/ ٣، حاشية بلوغ المرام لابن باز ٥٠٤، صحيح الترغيب للالباني ١٣٨٩، السلسلة الصحيحة للالباني ١١، وغاية المرام للالباني ١٦٠، صحيح الجامع للالباني ٤٢٣، صحيح ابي داود ٣٤٦٢، بلوغ المرام لابن عثيمين ٤/ ٣٦، ومسند احمد بتحقيق احمد شاكر ٧/ ٨٨، واخر مسند احمد لاحمد شاكر ٧/ ٢٦٧، والطرسوس في مسند عمر، وابن ابي الدنيا في العقوبات، وتهذيب الاثار للطبراني، وفي التلخيص، والدولابي في الكنى، أهـ وكلهم عن ابن عمر رضي الله عنه. الا طريق واحد عن جابر.
(٥) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٥٧ - ٦٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>