قال ابن كثير: "يبين تعالى اغترار اليهود والنصارى بما هم فيه، حيث ادعت كل طائفة من اليهود والنصارى أنه لن يدخل الجنة إلا من كان على ملتها، كما أخبر الله عنهم في سورة المائدة أنهم قالوا: {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} [المائدة: ١٨]، فأكذبهم الله تعالى بما أخبرهم أنه معذبهم بذنوبهم، ولو كانوا كما ادعوا لما كان الأمر كذلك، وكما تقدم من، دعواهم أنه لن تمسهم النار إلا أياما معدودة، ثم ينتقلون إلى الجنة. وردَّ عليهم تعالى في ذلك، وهكذا قال لهم في هذه الدعوى التي ادعوها بلا دليل ولا حجة ولا بينة، فقال تعالى {تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ} (١).
قال الطبري: "وعلى الرغم من اختلاف مقالة الفريقين فلقد جمع اليهود والنصارى في هذا الخبر، وكما هو معلوم بأن اليهود تدفع النصارى عن أن يكون لها في ثواب الله نصيب، والنصارى تدفع اليهود عن مثل ذلك، ولكن معنى الكلام لما كان مفهوما عند المخاطبين به معناه، فجُمع الفريقان في الخبر عنهما، فقيل: {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}، أي قالت اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان يهوديا، وقالت النصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيا (٢).
وفي أصل (اليهود) من حيث اللغة، قولان (٣):
أحدهما: أن يكون جمع (هائد)، و (الهائد): التائب الراجع إلى الحق (٤).
قال ابن جريج: "إنما سميت اليهود من أجل أنهم قالوا: {إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ} [الأعراف: ١٥٦] " (٥).
قال الزمخشري: " إن قلت: كيف قيل كان هوداً على توحيد الاسم وجمع الخبر؟ قلت: حمل الاسم على لفظ «من» والخبر على معناه، كقراءة الحسن: {إِلَّا مَنْ هُوَ صَالوا الْجَحِيمِ} [الصافات: ١٦٣] " (٦).
والثاني: وقيل هو مصدر، يوصف به الواحد والجمع، كفطر وعدل ورضا.
وقال الفراء: إن أصله" (يهوديًّا)، فحذف الياء الزائدة ورجع إلى الفعل من اليهودية، وهي فِي قراءة أَبِي وعبد اللَّه: {إلا من كان يهوديًّا أو نصرانيّا} " (٧).
وأما (النصارى) جمع، واحدهم (نصران)، كما واحد السكارى سكران، وواحد النشاوى نشوان، وكذلك جمع كل نعت كان واحده على " فعلان " فإن جمعه على " فعالى "، إلا أن المستفيض من كلام العرب في واحد " النصارى " " نصراني ". وقد حكى عنهم سماعا " نصران " بطرح الياء، ومنه قول الشاعر (٨):
تراه إذا زار العشي مُحَنِّفًا ... ويضحي لديه وهو نصران شامس
وسمع منهم في الأنثى: نصرانة، قال الشاعر (٩):
(١) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٣٨٤ - ٣٨٥.
(٢) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٥٠٦.
(٣) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٥٠٧ - ٥٠٨، والمحرر الوجيز: ١/ ١٩٧.
(٤) انظر: تهذيب اللغة: ٤/ ٣٦٨٩.
(٥) أخرجه الطبري (١٠٩٤): ص ٢/ ١٤٣.
(٦) الكشاف: ١/ ١٧٧.
(٧) معاني القرآن: ١/ ٧٣، وعنه النحاس في "إعراب القرآن" ١/ ٢٠٧، وانظر: مثله في: "معاني القرآن" للأخفش ١/ ١٥١، "تفسير الطبري" ١/ ٤٩١ - ٤٩٢، "معاني القرآن" للزجاج ١/ ١٩٤، والكشاف: ١/ ١٧٧.
(٨) (" لم أعرف قائله. والبيت في الأضداد لابن الأنباري: ١٥٥، ورواه: " تراه ويضحى وهو. . " ونقله أبو حيان في البحر المحيط ١: ٢٣٨ عن الطبري، وفيهما " إذا دار العشى " وأخطأ القرطبي (تفسيره ١: ٣٦٩) فقال: و " أنشد سيبويه " وذكر البيت، ولم ينشده سيبويه. وروى صدره. (تراه إذا دار العشا متحنفا)
والبيت في صفة الحرباء. و " محنفا ": قد تحنف، أو صار إلى الحنيفية. ويعني أنه مستقبل القبلة. وقوله: " لديه "، أي لدى العشى، ويريد قبل أن يستوى العشى أو لدى الضحى، ويكون قد ذكره في بيت قبله. وقوله: " شامس "، يريد مستقبل الشمس، قبل المشرق. يقول يستقبل الشمس كأنه نصراني، وهو كقول ذي الرمة في صفة الحرباء أيضًا: إذا حول الظل العشى رأيته ... حنيفا، وفي قرن الضحى ينتصر
(٩) البيت لأبي الأخزر الحماني، سيبويه ٢: ٢٩، ١٠٤، واللسان (حنف)، يصف ناقتين، طأطأتا رؤوسهما من الإعياء، فشبه رأس الناقة في طأطأتها، برأس النصرانية إذا طأطأته في صلاتها. وأسجد الرجل: طأطأ رأسه وخفضه وانحنى. قال حميد بن ثور، يصف نوقا:
فلما لوين على معصم ... وكف خضيب وأسوارها
فضول أزمتها أسجدت ... سجود النصاري لأحبارها