للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

يُرعى إلى قَوْل سادات الرّجال إذا ... أبدَوْا له الحزْمَ أو ما شاءه ابتدَعا

أي: يحدث ما شاء.

ومنه قول رؤبة بن العجاج (١):

فأيها الغاشي القِذَافَ الأتْيَعَا ... إن كنت لله التقي الأطوعا

فليس وجه الحق أن تَبَدَّعا

يعني: أن تحدث في الدين ما لم يكن فيه (٢).

وقيل (البديع) بمعنى (المبدع) (٣)، واستدل بقول عمرو معد يكرب (٤):

أَمِنْ ريحانة الدَّاعي السَّميع ... يُؤْرِقُني وأَصْحابي هَجوع

أي: المسمع (٥)، قال الزمخشري: "وفيه نظر" (٦).

وقرئ {بديع السماوات}، مجروراً على أنه بدل من الضمير في {له}، وقرأ المنصور بالنصب على المدح (٧).

قوله تعالى: {وَإِذَا قَضَى أَمْرًا} [البقرة: ١١٧]، " أي إذا أراد أن يقضي أمراً" (٨).

قال الطيبري: أي" وإذا أحكم أمرا وحتمه" (٩).

قال البيضاوي: " أي أراد شيئا" (١٠).

قال المراغي: " أي وإذا أراد إحداث أمر وإيجاده" (١١).

قال ابن عطية: " و {قَضى}، معناه قدر، وقد يجيء بمعنى أمضى، ويتجه في هذه الآية المعنيان، فعلى مذهب أهل السنة قدر في الأزل وأمضى فيه، وعلى مذهب المعتزلة أمضى عند الخلق والإيجاد" (١٢).

وأصل (القضاء): إتمام الشيء وإحكامه (١٣)، والفراغ منه، ومن ذلك قيل للحاكم بين الناس: القاضي بينهم، لفصله القضاء بين الخصوم، وقطعه الحكم بينهم وفراغه منه به، ومنه قيل: تقضي النهار، إذا انصرم، ومنه قول الله عز وجل: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ} [الإسراء: ٢٣] أي: فصل الحكم فيه بين عباده، بأمره إياهم بذلك، وكذلك قوله: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ} [سورة الإسراء: ٤]، أي أعلمناهم بذلك وأخبرناهم به، ففرغنا إليهم منه. ومنه قول أبي ذؤيب (١٤):


(١) ديوانه: ٨٧، واللسان (بدع) من رجز طويل يفخر فيه برهطه بني تميم. ورواية الديوان " القذاف الأتبعا "، وليس لها معنى يدرك، ورواية الطبري لها مخرج في العربية. " الغاشي " من قولهم: غشي الشيء: أي قصده وباشره أو نزل به. والقذاف: سرعة السير والإبعاد فيه، أو كأنه أراد الناحية البعيدة، وإن لم أجده في كتب العربية. والأتيع: لم أجده في شيء، ولعله أخذه من قولهم: تتايع القوم في الأرض: إذا تباعدوا فيها على عمى وشدة. يقول: يا أيها الذاهب في المسالك البعيدة عن سنن الطريق - يعني به: من ابتدع من الأمور ما لا عهد للناس به، فسلك في ابتداعه المسالك الغريبة. (تفسير الطبري: ٢/ ٥٤٠).
(٢) تفسير الطبري: ٢/ ٥٤٠.
(٣) أنظر: التفسير البسيط: ٢/ ١٥٣، والكشاف: ١/ ١٨١، وتفسير البيضاوي: ١/ ١٠٢.
(٤) البيت في "الشعر والشعراء" ص ٢٣٥، و"تفسير الطبري" ١/ ١٢٣، "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٥١، و"تفسير الثعلبي" ١/ ٥٠ أ، و"تفسير ابن عطية" ١/ ١٦٥، "الأصمعيات" ص ١٧٢، "البحر المحيط" ١/ ٥٩. وريحانة: أخت عمرو، وكان الصمة أبو دريد قد غزا بني زبيد وسباها، وغزاهم عمرو مرارًا ولم يقدر عليها، وقيل: ريحانة امرأة أراد أن يتزوجها فهو يشبب بها.
(٥) أنظر: التفسير البسيط: ٢/ ١٥٢ - ١٥٣.
(٦) الكشاف: ١/ ١٨١.
(٧) انظر: الكشاف: ١/ ١٨٢.
(٨) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٧.
(٩) تفسير الطبري: ٢/ ٥٤٢.
(١٠) تفسير البيضاوي: ١/ ١٠٢، وانظر: تفسير أبي السعود: ١/ ١٥١.
(١١) تفسير المراغي: ١/ ٢٠٠.
(١٢) المحرر الوجيز: ١/ ٢٠١ - ٢٠٢.
(١٣) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٦٤.
(١٤) ديوانه: ١٩، والمفضليات: ٨٨١ وتأويل مشكل القرآن: ٣٤٢، من قصيدته التي فاقت كل شعر، يرثى أولاده حين ماتوا بالطاعون.

<<  <  ج: ص:  >  >>