و (الأهواء) جمع (هوى)، كما تقول: جمل وأجمال، ولما كانت مختلفة جمعت (١)، ولو حمل على أفراد الملة لقال هواهم (٢).
قال الزجاج: " إِنما جمع ولم يقل (هواهم)، لأن جميع الفرق ممن خالف النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن ليرضيهم منه إلا أتباع هواهم" (٣).
قال الواحدي: " وأراد بهذا: ما يدعونه إليه من المهادنة والإمهال" (٤).
وفي هذا الخطاب وجهان (٥):
أحدهما: أنه للرسول، لتوجه الخطاب إليه. والمعنى: " لإن صليت نحو قبلتهم بعد الذي جاءك من العلم في التحويل إلى الكعبة" (٦).
قال القرطبي: " فيه تأديب لأمته، إذ منزلتهم دون منزلته" (٧).
والثاني: أنه للرسول والمراد به أمته، لأن الرسول-صلى الله عليه وسلم- معصوم، والمعنى: " فقد علمتم أن محمدًا قد جاءكم بالحق والصدق، فلا تتبعوا أهواء الكافرين، فلا يكونَ لكم من دوني ولي ولا نصير" (٨).
قال ابن عطية: " فهذا شرط، خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم، وأمته معه داخلة فيه" (٩).
قوله تعالى: {بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} [البقرة: ١٢٠]، أي: " بعدما ظهر لك الحق بالبراهين الساطعة والحجج القاطعة" (١٠).
قال أبو السعود: " أي الوحي أو الدين المعلوم صحته" (١١).
قال النسفي: " أي من العلم بأن دين الله هو الإسلام أو من الدين المعلوم صحته بالبراهين الواضحة والحجج اللائحة" (١٢).
قال الواحدي: أي" دين الله هو الإسلام، وقيل: من العلم أنهم على الضلالة" (١٣).
قال ابن عثيمين: " يشير إلى الوحي الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم سواء كان القرآن، أو السنة؛ فالذي جاء إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- عِلم" (١٤).
قال الثعلبي: أي: " بعد الذي جاءك من العلم البيان بأن دين الله هو الإسلام وقبلة إبراهيم عليه السلام هي الكعبة" (١٥).
وكان أحمد بن حنبل يكفّر من يقول: "القرآن مخلوق، فقيل: بم كفرته؟ فقال: بآيات من كتاب الله تعالى: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} [البقرة: ١٤٥]، والقرآن من علم الله، فمن زعم أنه مخلوق فقد كفر" (١٦).
(١) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٢٠٤.
(٢) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٩٤.
(٣) معاني القرآن: ١/ ٢٠٢.
(٤) التفسير البسيط: ٣/ ٢٨٦.
(٥) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٩٤، والتفسير البسيط: ٣/ ٢٨٧.
(٦) التفسير البسيط: ٣/ ٢٨٧.
(٧) تفسير القرطبي: ٢/ ٩٤.
(٨) التفسير البسيط: ٣/ ٢٨٧.
(٩) المحرر الوجيز: ١/ ٢٠٤.
(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ٨١.
(١١) تفسير أبي السعود: ١/ ١٥٣.
(١٢) تفسير النسفي: ١/ ٨٤.
(١٣) التفسير البسيط: ٣/ ٢٨٦.
(١٤) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣١.
(١٥) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٦٦.
(١٦) تفسير القرطبي: ٢/ ٩٤.