للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

قوله تعالى: {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ} [البقرة: ١٣٢]، "أي وصّى الخليل أبناءه باتباع ملته وكذلك يعقوب أوصى بملة إِبراهيم" (١).

قال ابن عباس: " وصاهم بالإسلام. وصية الله دين الله" (٢).

وعن ابن عباس أيضا: " وصى يعقوب بنيه بمثل ذلك- يعني بالإسلام وصية الله دين الله" (٣). وروي عن الحسن وقتادة نحو ذلك.

قال مقاتل: " يعني بالإخلاص إبراهيم بنيه الأربعة إسماعيل وإسحاق ومدين ومداين ثم وصى بها يعقوب بنيه يوسف وإخوته اثني عشر ذكرا بنيه ويعقوب" (٤).

قال الطبري: "أي: ووصى بهذه الكلمة-وهو قوله: أسلمت لرب العالمين وهي (الإسلام) -الذي أمر به نبيه صلى الله عليه وسلم، وهو إخلاص العبادة والتوحيد لله، وخضوع القلب والجوارح له، فعهد ابراهيم بنيه (٥) بذلك وأمرهم به" (٦).

قال الثعلبي: أي: " ووصى بها أيضا، ويعقوب: بنيه الأثني عشر وهم: روفيل أكبر ولده، وشمعون ولاوي وهودا وفريالون وسجر ودان ومفتالي وجاد واشرب ويوسف وابن يافين" (٧).

قال أبو السعود: قوله تعالى {ووصى بِهَا إبراهيم بَنِيهِ}: شروعٌ في بيان تكميلِه عليه السلام لغيره إثرَ بيانِ كماله في نفسه وفيه توكيدٌ لوجوب الرغبة في مِلته عليه السلام والتوصيةُ التقدمُ إلى الغير بما فيه خيرٌ وصلاح للمسلمين من فعلٍ أو قولٍ" (٨).

قال الراغب: " الوصية: التقدم إلى الغير بما يعمل به مقترناً بوعظ واشتقاقه من وصاه أي وصله، ومضاده قصاه أي فصله" (٩).

واختلف في عود الضمير المتصل (الهاء) في قوله تعالى: {وَوَصَّى بِهَا} [البقرة: ١٣٢]، على أقوال (١٠):

أحدهما: أنه عائد إلى (الملة) في قوله تعالى {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} [البقرة: ١٣٠]، وقوله (وَصَّى بِهَا)، أي: وصى بهذه الملة وهي الإسلام لله.

الثاني: وقيل أنه يعود إلى (الكلمة) وهي قوله: {أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}، لحرصهم عليها ومحبتهم لها حافظوا عليها إلى حين الوفاة ووصوا أبناءهم بها من بعدهم؛ "ونحوه رجوع الضمير في قوله تعالى: {وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ} [الزخرف: ٢٨]، إلى قوله: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا


(١) صفوة التفاسير: ١/ ٨٥.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (١٢٧٥): ص ١/ ٢٣٩.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (١٢٧٦): ص ١/ ٢٣٩.
(٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ١٤٠.
(٥) بنيه: بنو إبراهيم، إسماعيل وأمه هاجر القبطية، وإسحاق وأمه سارة، ومدين: ومديان، ونقشان، وزمزان، ونشق، ونقش سورج، ذكرهم الشريف النسابة أبو البركات محمد بن علي بن معمر الحسيني الجواني وغيره، وأم هؤلاء الستة قطورا بنت يقطن الكنعانية. هؤلاء الثمانية ولده لصلبه، والعقب الباقي فيهم اثنان إسماعيل وإسحاق لا غير. (تفسير البحر المحيط: ١/ ٥٧٠).
(٦) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٩٣ - ٩٤.
(٧) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٨٠. وأخرج الطبري عن محمد بن إسحاق قال: " نكح يَعقوب بن إسحاق - وهو إسرائيل - ابنة خاله " ليا " ابنة " ليان بن توبيل بن إلياس "، فولدت له " روبيل بن يعقوب "، وكان أكبر ولده، و " شمعون بن يعقوب "، و " لاوي بن يعقوب " و " يهوذا بن يعقوب " و " ريالون بن يعقوب "، و " يشجر بن يعقوب "، و " دينة بنت يعقوب "، ثم توفيت " ليا بنت ليان ". فخلف يعقوب على أختها " راحيل بنت ليان بن توبيل بن إلياس " فولدت له " يوسف بن يعقوب " و " بنيامين " - وهو بالعربية أسد - وولد له من سُرِّيتين له: اسم إحداهما " زلفة "، واسم الأخرى " بلهية "، أربعة نفر: " دان بن يعقوب "، و " نَفثالي بن يعقوب " و " جَاد بن يعقوب "، و " إشرب بن يعقوب " فكان بنو يعقوب اثني عشرَ رجلا نشر الله منهم اثنَى عشر سبطًا، لا يُحصى عددَهم ولا يعلم أنسابَهم إلا الله، يقول الله تعالى: {وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا} [سورة الأعراف: ١٦٠] ". [تفسير الطبري (٢١٠٧): ص ٣/ ١١٢ - ١١٣].
(٨) تفسير أبي السعود: ١/ ١٦٣.
(٩) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٣١٩.
(١٠) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٤٤٦، وتفسير القرطبي/ ٢/ ١٣٥. وتفسير البحر المحيط: ١/ ٥٧٠، وتفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٣١٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>