للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ} [الزخرف: ٢٦ - ٢٧]، وقوله: {كَلِمَةً بَاقِيَةً} دليل على أن التأنيث على تأويل الكلمة" (١).

قال الراغب: " وكلاهما غير منفك من الآخر، إذ كانت هذه الكلمة من جملة الملة، والملة مقتضية لهذه الكلمة، فبين تعالى أن إبراهيم وصى بنيه، ووضع يعقوب بنيه أيضا بها كما أوصى إبراهيم" (٢).

الثالث: وقيل: أنه يعود على كلمة الإخلاص وهي: لا إلاه إلا الله، وإن لم يجر لها ذكر، فهي مشار إليها من حيث المعنى، إذ هي أعظم عمد الإسلام. وهذا قول الكلبي ومقاتل (٣).

الرابع: وقيل: يعود على الوصية الدال عليها ووصى.

الخامس: وقيل: يعود على الطاعة. قاله المفضل (٤).وذلك كقوله تعالى: {حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ} [ص: ٣٢]، وومنه قول طرفة (٥):

على مثلها الحواء إذا قال صاحبي ... ألا ليتني أفديك عنها وافتدي

أي من الفلاة (٦).

قلت: والقول الثاني أقرب إلى الصواب، للأسباب الآتية:

أولا: لأنه أقرب مذكور، أي (قولوا أسلمنا)، وأن ذلك غير مصرح به ورد الإضمار إلى المصرح بذكره إذا أمكن أولى من رده إلى المدلول والمفهوم، فـ"العود على الملة بأنه يكون المفسر مصرحاً به، وإذا عاد على الكلمة كان غير مصرح به، وعوده على المصرح أولى من عوده على المفهوم. وبأن عوده على الملة أجمع من عوده على الكلمة، إذ الكلمة بعض الملة. ومعلوم أنه لا يوصي إلا بما كان أجمع للفلاح والفوز في الآخرة " (٧).

ثانيا: أن (الملة) أجمع من تلك الكلمة، ومعلوم أنه ما وصى ولده إلا بما يجمع فيهم الفلاح والفوز بالآخرة، والشهادة وحدها لا تقتضي ذلك (٨). والله أعلم.

وقوله {وَصَّى} [البقرة: ١٣٢] (٩) فيه قراءتان (١٠):

إحداهما: بهمزة مفتوحة مع تخفيف الصاد: {أَوصَى}، بمعنى عهد. وهي في مصحف عثمان، وهي قراءة نافع وابن عامر، وكذلك هو في مصاحف المدينة والشام.

والثانية: بحذف الهمزة مع تشديد الصاد: {وصَّى}، فيه معنى التكثير، أي: أنه عهد إليهم عهدا بعد عهد، وأوصى وصية بعد وصية. وهي في مصحف عبدالله.

والمعنى في القراءتين واحد، إلا أن في {وصّى} دليل مبالغة وتكثير.

قال الشيخ ابن عثيمين: وقراءة: {أوصى} لا تنطبق عليها الشروط الثلاثة في القراءة، والمجموعة في البيتين، وهما (١١):


(١) مفاتيح الغيب: ٤/ ٦٧.
(٢) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٣١٩.
(٣) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٨٠.
(٤) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٨٠.
(٥) شرح المعلقات السبع: ٥٦.
(٦) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٨٠.
(٧) تفسير البحر المحيط: ١/ ٥٧٠.
(٨) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ٦٧.
(٩) قال ثعلب: أملى عليّ خلف بن هشام البزار، قال: اختلف مصحف أهل المدينة وأهل العراق في اثنى عشر حرفاً. كتب أهل المدينة: وأوصى، وسارعوا، يقول، الذين آمنوا من يرتدد، الذين اتخذوا، مسجداً خيراً منهما، فتوكل، وأن يظهر، بما كسبت أيديكم، ما تشتهيه الأنفس، فإن الله الغني، ولا يخاف عقباها. وكتب أهل العراق: ووصى، سارعوا، ويقول، من يرتد، والذين اتخذوا، خيراً منها، وتوكل، أن يظهر، فيما كسبت أيديكم، ما تشتهي، فإن الله هو، فلا يخاف. (تفسير البحر المحيط: ١/ ٥٧٠).
(١٠) انظر: السبعة في القراءات: ١٧١، وتفسير الطبري: ٣/ ٩٥ - ٩٦.
(١١) متن طيبة النشر في القراءات العشر، ابن الجزري (ت ٨٣٣ هـ): ٣٢.

<<  <  ج: ص:  >  >>