وقَولُه: {مِمَّا تَعْبُدُونَ} أَي: مِنَ الَّذِي تَعبُدُونَهُ.
وقولُه: {إلا الَّذِي فَطَرَنِي} والمُرَادُ بالَّذِي يَعبُدُونَه: الأصنَامُ الَّتِي يَنحِتُونَها هُمْ بأيدِيهِمْ، ثُمَّ يَعبُدُونَها؛ ولهَذَا قَال لهُمْ إبراهِيمُ عَلَيهِ السَّلَامُ فِي جُملَةِ مُنَاظَرَاتِهِ: {قَال أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: ٩٥ - ٩٦]، فكَيفَ تَعبُدُونَها وهِيَ مخلُوقَةٌ؟ ! كَيفَ تَعبُدُونَها وأنْتُمُ الَّذِين تَنحِتُونَها؟ !
وقَولُهُ: {إلا الَّذِي فَطَرَنِي}: {إلا} أدَاةُ استِثْنَاءٍ، لكِنْ هَلْ الاستثْنَاءُ هُنَا مُنقطِعٌ أَوْ هُوَ مُتَّصِلٌ؟
الجَوابُ: إِنْ كَانُوا يَعبُدُونَ اللهَ وغيرَهُ فالاستِثْنَاءُ مُتَّصِلٌ، وإنْ كَانُوا لَا يَعبُدونَ اللهَ فالاستِثْنَاءُ مُنقطِعٌ، والاستِثْنَاءُ المُنقَطِعُ هُوَ الَّذِي يَكُونُ مَا بعْدَ (إلَّا) مِنْ غَيرِ جِنْسِ الَّذِي قبلَهَا، ومثّل لَهُ النَّحويُّون بقَولِهمْ: (جَاءَ القَومُ إلَّا حمَارًا). والحمَارُ مِنْ غَيرِ جِنْسِ القَومِ، فيَكُونُ الاستِثْنَاءُ مُنقطِعًا، أمَّا إِذَا قِيلَ: (جَاءَ القَومُ إلَّا زيدًا). فالاستِثْنَاءُ هُنَا مُتَّصِلٌ؛ لأَنَّ زيدًا مِنْ جِنْسِ المُستثنَى مِنْهُ.
ونُطبِّقُ مَا هُنا عَلَى القَاعِدَةِ، فقَولُه: {إلا الَّذِي فَطَرَنِي} إِنْ كَانُوا يَعبُدُونَ اللهَ وغَيرَهُ فالاستِثْنَاءُ هُنَا مُتَّصِلٌ، وإِنْ كَانُوا لَا يَعبُدُونَ اللهَ فالاستِثْنَاءُ مُنقطِعٌ.
وقَولُهُ: {إلا الَّذِي فَطَرَنِي} لَمْ يَقُلْ: إلَّا اللهُ. مِنْ أَجْلِ أَنْ يُقِيمَ الدَّليلَ عَلَى أنَّهُ لَا يَستحِقُّ العِبَادَةَ إلَّا هُوَ، فالَّذِي فطَرَكَ أوَّلَ مَرَّةٍ وأَوْجَدَك مِنَ العَدَمِ هُوَ الَّذِي يَستَحِقُّ أَنْ يُعبَدَ؛ لأنَّهُ الَّذِي خَلَقَكَ، يَعْنِي: لَوْ قَال قَائِلٌ: لمَاذَا لَمْ يَقُلْ: إلَّا اللهُ؟
فالجَوابُ: ليُقِيمَ الحُجَّة عَلَى أنَّه لَا يَنبَغِي أَنْ يُعبَدَ إلَّا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، وهَذَا كقَولِهِ تعَالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ} [البقرة: ٢١]، ومَعلُوم أن الرَّبَّ خَالِقٌ،
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.