وهذا الأمنُ هو للظُّلْمِ فيه، وأمَّا إقامةُ الحدودِ في الحَرَمِ على المُقترِفِ لجُرْمٍ، فهذا مَحَلُّ خلافٍ يأتي الكلامُ عليه عندَ قولِه تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ [البقرة: ١٩١].
وهذا الأمنُ المذكورُ في الآيةِ مستلزِمٌ للمعنيَيْنِ الكونيِّ والشرعيِّ:
فالكونيُّ: يُظهِرُ أنَّ للهِ سُنَّةً في حمايةِ بيتِهِ، وتهديدِ المتعدِّي عليه وعلى مَنْ فيه بالعذابِ الأليمِ، ويمكِّنُ اللهُ مَن يستبيحُهُ بقَدَرٍ أيضًا؛ كما في هَدْمِ ذي السُّوَيْقَتَيْنِ للكَعْبةِ (١)، وكما جعَلَ اللهُ - لِحِكْمةٍ بالغةٍ - مِن فِتْنةٍ؛ كحصارِ الحَجَّاجِ لابنِ الزُّبَيْرِ والناسِ معه، وسَلْبِ القَرَامِطَةِ للحَجَرِ وقتلِ الناسِ حينَما تولَّى ذلك أبو طاهِرٍ سُليمانُ بنُ الحَسَنِ الجَنَّابِيُّ، فللَّهِ مقدارٌ كونيٌّ مِن الأمنِ قدَّرَهُ، وهو غالبُ حالِها، فتظهَرُ مِنَّةُ اللهِ على الإنسانِ، ويقدِّرُ خلافَ ذلك لحكمةٍ بالغةٍ؛ كما يخلُقُ اللهُ الإنسانَ على أحسنِ تقويمٍ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]، وفيهم نادرًا مَن يُولَدُ معيبًا، فالصورةُ الغالبةُ والنادرةُ مِن قدَرِ اللهِ، وكلٌّ لِحِكْمةٍ.
وأمَّا الشرعيُّ، فما حرَّمَ اللهُ في الحَرَمِ؛ مِن مقاتَلةِ المشرِكِينَ، وتنفيرِ الصيدِ، وقطعِ الشجرِ، ونحوِ ذلك المعنى.
وقولُه: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾: قرَأَه نافعٌ وابنُ عامرٍ بصيغةِ الماضي (٢)؛ أيِ: اتَّخَذَ الناسُ مقامَ إبراهيمَ مصلًّى بعدَما جعلْناهُ مَثَابةً لهم وأَمْنًا؛ وهذا يدلُّ على أنَّ الصلاةَ خلفَ المقامِ منذُ زمنِ
(١) أخرجه البخاري (١٥٩١) (٢/ ١٤٨)، ومسلم (٢٩٠٩) (٤/ ٢٢٣٢)؛ من حديث أبي هريرة ﵁.(٢) "التحرير والتنوير" (١/ ٧١٠).
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.