قلت: أما هذا فلا يعد إعلالاً؛ لأنَّ متابعة هؤلاء الرواة بعضهم بعضاً من قرائن قبول الرواية لا ردها، ولا سيما أنَّ طريق منصور بن سعد جاء عاضداً لرفع هذه الرواية، في حين ذهب الإسماعيلي إلى إعلال الرواية بالانقطاع. فقد نقل ابن رجب في " فتح الباري " ٣/ ٥٣ - ٥٤ عنه أنه قال: «إنَّما سمعه حميد من ميمون بن سياه، عن أنس، قال: ولا يحتج بيحيى بن أيوب في قوله: حدثنا حميد، قال: حدثنا أنس (١) فإنَّ عادة الشاميين والمصريين جرت على ذكر الخبر فيما يروونه، لا يطوونه طيَّ أهل العراق، يشير (٢) إلى أنَّ الشاميين والمصريين يصرّحون بالتحديث في رواياتهم، ولا يكون الإسناد متصلاً بالسماع، وقد ذكر أبو حاتم الرازي عن أصحاب بقية بن الوليد أنَّهم يصنعون ذلك كثيراً. ثم استدل الإسماعيلي على ما قاله بما خرجه من طريق عبيد الله بن معاذ، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا حميد، عن ميمون بن سياهٍ، قال: سألتُ أنساً: ما يُحرِّمُ دمَ المسلم وماله؟ قال: مَنْ شهدَ أن لا إله إلا الله وأنَّ محمداً رسول الله … الحديث. قال (٣): وما ذكره عن علي بن المديني (٤)، عن خالد بن الحارث، فهو يثبت ما جاء به معاذ بن معاذ؛ لأن ميموناً هو الذي سأل، وحميد منه سمع، والله أعلم.
ورواية معاذ بن معاذ، عن حميد، عن ميمون، عن أنس موقوفة، وقد ذكر الدارقطني في " العلل " أنَّها هي الصواب بعد أنْ ذكر أنَّ ابن المبارك، ويحيى بن أيوب، ومحمد بن عيسى بن سميع رووه عن حميد، عن أنس مرفوعاً. قال: وذكر هذا الحديث لعليّ بن المديني، عن ابن المبارك، فقال: أخاف أنْ يكون هذا وهماً، لعله حميد عن الحسن مرسلاً، قال الدارقطني: وليس كذلك؛ لأنَّ معاذ بن معاذ من الأثبات، وقد رواه كما ذكرنا - يعني: عن حميد، عن ميمون، عن أنس موقوفاً -» انتهى.
قلت: أما ما ذهب إليه الإسماعيليُّ في كلامه على سماع الشاميين
(١) إشارة إلى رواية البخاري المعلقة حيث صرّح فيها حميد بتحديثه من أنس. (٢) الكلام هنا لابن رجب. (٣) يعني: الإسماعيلي. (٤) يعني: الطريق الموقوف.