من غير بابه فيغتر بها، أما من أدمن النظر في كلام الأئمة، واقتفى أثرهم، وسار على طريقهم؛ فإنَّ ذلك يكون جُنّة له من الزلل.
بعد هذا العرض يتبين لنا ضعف جميع طرق هذا الحديث، وأنَّ علته الرئيسة اضطراب (١) أبي إسحاق في إسناده وأنَّ ما جاء من طرق أخرى تعود عليه، على أنَّ بعضهم قد صحح الحديث مغتراً بتلك الطرق، حتى تكلم آخرون عن سبب ذلك الشيب في تلك السور خاصة، فقد قال القرطبي في "تفسيره " ٩/ ١ - ٢:«وأما سورة «هود» فلما ذكر الأمم، وما حلَّ بهم من عاجل بأس الله تعالى، فأهل اليقين إذ تلوها تراءى على قلوبهم من ملكه وسلطانه ولحظاته البطش بأعدائه، فلو ماتوا من الفزع لَحَقَّ لهم، ولكن الله ﵎ اسمه يَلطُف بهم في تلك الأحايين حتى يقرءوا كلامه. وأمّا أخواتها فما أشبهها من السور، مثل «الحاقة» و «سأل سائل» و «وإذا الشمس كوّرت» و «القارعة» ففي تلاوة هذه السور ما يكشف لقلوب العارفين سلطانه وبطشه فتذهل منه النفوس، وتشيب منه الرءوس. قلت: وقد قيل: إن الذي شيب النبي ﷺ من سورة «هود» قوله: ﴿فاستقم كما أمرت﴾ … ».
أقول: ما ذكره القرطبي أخيراً هو ما أخرجه: البيهقي في "شعب الإيمان"(٢٤٣٩) ط. العلمية و (٢٢١٥) ط. الرشد قال: أخبرنا أبو عبد الرحمان السلمي، قال: سمعت أبا علي السري يقول: رأيتُ (٢) النبيَّ ﷺ فقلت: يا رسول الله، روي عنك أنك قلت: شيبتني هود، قال: نعم، فقلت: ما الذي شيبك، قصص الأنبياء وهلاك الأمم؟ قال: لا، ولكن قوله: ﴿فاستقم كما أمرت (٣)﴾ (٤).
(١) ومما يعلل به هذا الحديث أنه مخالف لما جاء في الصحيحين وغيرهما من حديث أنس بن مالك: أن النبي ﷺ توفي وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء. انظر: " صحيح البخاري " ٤/ ٢٢٨ (٣٥٤٨)، و" صحيح مسلم " ٧/ ٨٧ (٢٣٤٧) (١١٣). (٢) يعني: في المنام، وهي (رأى) الحُلمية مصدرها الرؤيا، تنصب مفعولين، أما البصرية فتنصب مفعولاً به واحداً. (٣) هود: ١١٢. (٤) وانظر: "جامع العلوم والحكم " ١/ ٥٩٠ بتحقيقي ط. بغداد، و ط. ابن كثير: ٧٧٤.