للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

عنه من الأحاديث في مرتبة واحدة من الدقة والإتقان … ».

وقال أخيراً: «وبعد هذا يمكننا القول بأنَّ هذا الحديث ضعيف؛ لاشتراك ثلاثة ممن وصفوا بالإرسال والتدليس في رواية بعضهم عن بعض له، دون التصريح بالسّماع، والله تعالى أعلم» انتهى كلامه.

قلت: قد بالغ الدكتور عداب محمود الحمش في تضعيف سند الحديث أيَّما مبالغة، وكان سبب تضعيفه للسند هو عنعنة سفيان، وخالد الحذّاء، وأبي قلابة الجرمي، وثلاثتهم يمكن الرد على شبهة ضعف روايتهم بسبب تدليسهم. أما أبو قلابة فقد ذكر الذهبي في " ميزان الاعتدال " ٢/ ٤٢٦ (٤٣٣٤) أنَّه يدلس، فقال: «ثقةٌ في نفسه، إلا أنَّه يدلس عمن لحقهم، وعمن لم يلحقهم. وكان له صحف يحدث منها ويدلس». وقال ابن حجر في " طبقات المدلسين ": ٢١ (١٥): «وصفه بذلك - أي بالتدليس - الذهبيُّ، والعلائيُّ». إلا أنَّ أبا حاتم الرازيَّ قال في " الجرح والتعديل " لابنه ٥/ ٦٨ (٢٦٨): «أبو قلابة لا يعرف له تدليس».

قلت: لم أقف على أحد وصفه بالتدليس من المتقدمين، بل على العكس فإنَّ أبا حاتم صرّح بعدم معرفته التدليس عنه كما تقدم، ولم يصفه بالتدليس إلا الذهبيُّ والعلائيُّ فيما وقفت عليه من كلام العلماء، وإنَّما ذهبا إلى ذلك؛ لأنَّه كان يحدّث عن بعض من لم يلقهم بصيغة محتملة، لذا قال الذهبيُّ: «يدلس عمن لحقهم، وعمن لم يلحقهم» (١).

أما أبو حاتم فإنَّه لا يصف أحداً بالتدليس، إلا إذا حدّث عمن لقيه وسمع منه ما لم يسمعه منه بصيغة محتملة. أما إذا حدّث الراوي بصيغة محتملة عمن لم يلقه بل عاصره فقط، فهذا عنده مرسل ولا يصف ذلك


(١) وهذا المنهج الذي سارت عليه بعض ركبان المتأخرين في عدم التفريق بين التدليس والإرسال، لذا نجد ابن دقيق في " الاقتراح ": ٢١٧ عرف التدليس، فقال: «وهو أن يروي الراوي حديثاً عمن لم يسمعه منه»، وكذا تلميذه الحافظ الذهبي أشد وضوحاً، فقال في تعريف التدليس في
"الموقظة ": ٤٧: «ما رواه الرجل عن آخر ولم يسمعه منه، أو لم يدركه»، ولعل هذا منهج خاص بهذين الحافظين، فإن كتب الاصطلاح على غيره، والله أعلم.

<<  <  ج: ص:  >  >>