الوجه الثالث: أنَّ مذهب أهل المدينة قديماً وحديثاً ترك الجهر بها، ومنهم من لا يرى قراءتها أصلاً، ولا يحفظ عن أحد من أهل المدينة بإسناد صحيح أنَّه يجهر بها إلا شيء يسير، وله محمل، وهذا عملهم يتوارثه آخرهم عن أولهم فكيف ينكرون على معاوية ما هو شبههم؟ هذا باطل.
الوجه الرابع: أنَّ معاوية لو رجع إلى الجهر بالبسملة، كما نقلوه، لكان هذا معروفاً من أمره عند أهل الشام الذين صحبوه، ولم ينقل ذلك عنهم، بل الشاميون كلهم خلفاؤهم وعلماؤهم كان مذهبهم ترك الجهر بها.
وبالجملة، فهذه الأحاديث كلها ليس فيها صريح صحيح، بل فيها عدمهما، أو عدم أحدهما، وكيف تكون صحيحة وليست مخرجة في شيء من الصحيح، ولا المسانيد، ولا السنن المشهورة؟ وفي روايتها الكذابون، والضعفاء، والمجاهيل … » انظر:"نصب الراية" ١/ ٣٥٤، و"إتحاف المهرة" ٢/ ٣٩٥ (١٩٧٥).
ومما حصل فيه التفرد، ويُعد تفرداً مطلقاً ونسبياً (١) ما روى الدراورديُّ، عن محمد بن عبد الله بن الحسن، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «إذا سجدَ أحدُكم فلا يبركْ كما يبركُ البعيرُ، وليضعْ يديهِ قبلَ ركبتيهِ».
أخرجه: أحمد ٢/ ٣٨١، والبخاريُّ في " التاريخ الكبير " ١/ ١٤١ (٤١٨)، وأبو داود (٨٤٠)، والنَّسائيُّ ٢/ ٢٠٧ وفي " الكبرى "، له (٦٧٨) ط. العلمية و (٦٨٢) ط. الرسالة، والطحاويُّ في " شرح معاني الآثار " ١/ ٢٥٤ وفي ط. العلمية (١٤٧٧) و (١٤٧٨) وفي " شرح مشكل الآثار "، له (١٨٢) وفي (تحفة الأخيار)(٧٠٠)، والدارقطنيُّ ١/ ٣٤٤ ط. العلمية و (١٣٠٤) و (١٣٠٥) ط. الرسالة، وتمام في "فوائده" كما في " الروض البسام "(٣٣٥)، وابن حزم في
(١) المطلق باعتبار أن الدراوردي تفرد به، والنسبي باعتبار أن محمد بن عبد الله بن الحسن المعروف بالنفس الزكية تفرد به، وهو مدني، وقد نص أبو بكر بن أبي داود على تفرد أهل المدينة بهذه السنة.