فقال: لا يأتيكما من عند الملك أو من عند أهلكما أو أصدقائكما ما تحتاجان إليه من الطَّعام في السِّجن إلَّا أخبرتكما به قبلَ مجيئِه، وهو قوله:{إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ} وهو خبرٌ عن الغائب، وذلك كقول عيسى عليه السلام:{وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ}[آل عمران: ٤٩].
فكأنَّهما قالا له: فكيفَ تعلمُ ذلك وهو غيبٌ؟ فقال:{ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي}.
فكأنَّهما قالا: ولِم خصَّك ربُّك بالتَّعليم دوننا؟ فقال:{إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ} وليس هو تَرْكًا بعد الكونِ فيها، بل هو الامتناع عنها أصلًا، وإخبارٌ أنَّه لم يكن فيها قطُّ، ولا يخصُّ اللَّه تعالى بهذا العلم -الَّذي هو كرامةٌ- مَنْ كفرَ به وجحدَه، بل يكرمُ به مَن آمنَ به وصدَّقه ووحَّده وعبدَه.
فكأنَّهما قالا له: إذا لم تكن أنت في هذه الملَّة؛ فعلى أيِّ ملَّةٍ أنت؟ فقال:{وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ} وهو الجدُّ، جدُّ الأب يسمَّى أبًا؛ لأنَّه أبو أبِ الأب، {وَإِسْحَاقَ} هو أبُ الأب، {وَيَعْقُوبَ} هو أبوه حقيقة.