وقال مقاتلٌ، وهو روايةٌ عن ابن عباسٍ رضي اللَّه عنهما: هم اليهودُ من هاهنا إلى قوله: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ}[البقرة: ٢١]، قال: ويَدلُّ عليه قولُه تعالى (١): {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} واليهودُ هم الذين كانوا يعتقدون هذا الإفسادَ إصلاحًا (٢)، ويُظهِرون ذلك، فأما (٣) المنافقون فما كانوا يقولون ظاهرًا: إن هذا إصلاحٌ، ولو قالوا ذلك لظَهر كفرُهم فقُتلوا، فأما (٤) اليهود -لعنهم اللَّه- فقد كانوا أَظهروا أنهم على الحقِّ وغيرَهم على الباطل، والمنافقون (٥) كانوا يقولون: {نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ}[المنافقون: ١]، {وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ}[التوبة: ٥٦].
ودليلٌ آخَرُ: قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ} والمنافقون ما كان يمكنُهم التكلُّم بهذا ظاهرًا.
فثبَت أنه في اليهود، وإفسادُهم هو كتمانُ حالِ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وصدُّ الناس عنه، وأخذُهم الرشوةَ، وتغييرُهم الأحكامَ بها (٦).
وأما القائلون بأنَّ الآية في المنافقين فقد قالوا: إن ما قبلها وما بعدها في المنافقين على ما بيَّنَّا ونبيِّنُ، فأمَّا قولهم:{إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} فمعناه أنهم قالوا: لا نفعلُ هذه الأشياءَ التي هي إفسادٌ (٧) بل نتَّبعُكم على دِينكم، وهذا إنكارٌ منهم للنِّفاق والإفساد.
(١) في (أ): "أنه قال قالوا" وفي (ف): "أنه قال جل وعلا". بدل: "قوله تعالى". (٢) في (ر) "صلاحًا". (٣) في (ف): "وأما". (٤) في (ف): "وأما". (٥) في (ر) و (ف): "وأما المنافقون". (٦) في (ف): "وتغييرهم أحكام التوراة". (٧) بعدها في (ر): "منهم".