فِي السَّمَاءِ. قَالَ عَطَاءٌ: فَزَعَمَ النَّاسُ أَنَّهُ بَنَاهُ مِنْ خَمْسَةِ أَجْبُلٍ: مِنْ حِرَاءٍ، وَمِنْ طُورِ سِينَا، وَمِنْ لُبْنَانَ، وَمِنْ الْجُودِيِّ، وَمِنْ طُورِ زَيْتًا، وَكَانَ رُبْضُهُ «١» مِنْ حِرَاءٍ. قَالَ الْخَلِيلُ: وَالرُّبُضُ هَا هُنَا الْأَسَاسُ الْمُسْتَدِيرُ بِالْبَيْتِ مِنَ الصَّخْرِ، وَمِنْهُ يُقَالُ لِمَا حَوْلَ الْمَدِينَةِ: رَبُضٌ. وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا أُهْبِطَ آدَمُ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَى الْأَرْضِ قَالَ لَهُ: يَا آدَمُ، اذْهَبْ فَابْنِ لِي بَيْتًا وَطُفْ بِهِ وَاذْكُرْنِي عِنْدَهُ كَمَا رَأَيْتَ الْمَلَائِكَةَ تَصْنَعُ حَوْلَ عَرْشِي، فَأَقْبَلَ آدَمُ يَتَخَطَّى وَطُوِيَتْ لَهُ الْأَرْضُ، وَقُبِضَتْ لَهُ المفازة، فلا يقع قدمه على شي مِنَ الْأَرْضِ إِلَّا صَارَ عُمْرَانًا حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَوْضِعِ الْبَيْتُ الْحَرَامُ، وَأَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ضَرَبَ بِجَنَاحَيْهِ الْأَرْضَ فَأَبْرَزَ عَنْ أُسٍّ ثَابِتٍ عَلَى الْأَرْضِ السَّابِعَةِ السُّفْلَى، وَقَذَفَتْ إِلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ بِالصَّخْرِ، فَمَا يُطِيقُ الصَّخْرَةَ مِنْهَا ثَلَاثُونَ رَجُلًا، وَأَنَّهُ بَنَاهُ مِنْ خَمْسَةِ أَجْبُلٍ كَمَا ذَكَرْنَا. وَقَدْ رُوِيَ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ: أَنَّهُ أُهْبِطَ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ خَيْمَةٌ مِنْ خِيَامِ الْجَنَّةِ، فَضُرِبَتْ فِي مَوْضِعِ الْكَعْبَةِ لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا وَيَطُوفَ حَوْلَهَا، فَلَمْ تَزَلْ بَاقِيَةً حَتَّى قَبَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ آدَمَ ثُمَّ رُفِعَتْ. وَهَذَا مِنْ طَرِيقِ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ. وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّهُ أُهْبِطَ مَعَهُ بَيْتٌ فَكَانَ يَطُوفُ بِهِ وَالْمُؤْمِنُونَ مِنْ وَلَدِهِ كَذَلِكَ إِلَى زَمَانِ الْغَرَقِ، ثُمَّ رَفَعَهُ اللَّهُ فَصَارَ فِي السَّمَاءِ، وَهُوَ الَّذِي يُدْعَى الْبَيْتَ الْمَعْمُورَ. رُوِيَ هَذَا عَنْ قَتَادَةَ ذَكَرَهُ الْحَلِيمِيُّ فِي كِتَابِ" مِنْهَاجِ الدِّينِ" لَهُ، وَقَالَ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى مَا قَالَ قَتَادَةُ مِنْ أَنَّهُ أُهْبِطَ مَعَ آدَمَ بَيْتٌ، أَيْ أُهْبِطَ مَعَهُ مِقْدَارُ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ طُولًا وَعَرْضًا وَسُمْكًا، ثُمَّ قِيلَ لَهُ: ابْنِ بِقَدْرِهِ، وَتَحَرَّى «٢» أَنْ يَكُونَ بِحِيَالِهِ، فَكَانَ حِيَالَهُ مَوْضِعُ الْكَعْبَةِ، فَبَنَاهَا فِيهِ. وَأَمَّا الْخَيْمَةُ فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ أُنْزِلَتْ وَضُرِبَتْ فِي مَوْضِعِ الْكَعْبَةِ، فَلَمَّا أُمِرَ بِبِنَائِهَا فَبَنَاهَا كَانَتْ حَوْلَ الْكَعْبَةِ طُمَأْنِينَةٌ لِقَلْبِ آدَمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا عَاشَ ثُمَّ رُفِعَتْ، فَتَتَّفِقُ هَذِهِ الْأَخْبَارُ. فَهَذَا بِنَاءُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ بناه إبراهيم عليه السلام. قال ابن جريح وَقَالَ نَاسٌ: أَرْسَلَ اللَّهُ سَحَابَةً فِيهَا رَأْسٌ، فَقَالَ الرَّأْسُ: يَا إِبْرَاهِيمُ، إِنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَأْخُذَ بِقَدْرِ هَذِهِ السَّحَابَةِ، فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَيَخُطُّ قَدْرَهَا، ثُمَّ قَالَ الرَّأْسُ: إِنَّهُ قَدْ فَعَلْتَ، فَحَفَرَ فَأُبْرِزَ عَنْ أَسَاسٍ ثَابِتٍ في الأرض. وروي عن علي بن
(١). الربض (بضم الراء، وبسكون الباء وضمها): الأساس. وبفتحهما: ما حول المدينة.(٢). في أ، ج، ز:" ويجوز أن يكون".
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.