الثانية- لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْكَعْبَةَ قِبْلَةٌ فِي كُلِّ أُفُقٍ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ شَاهَدَهَا وَعَايَنَهَا فُرِضَ عَلَيْهِ اسْتِقْبَالُهَا، وَأَنَّهُ إِنْ تَرَكَ اسْتِقْبَالَهَا وَهُوَ مُعَايِنٌ لَهَا وَعَالِمٌ بِجِهَتِهَا فَلَا صَلَاةَ لَهُ، وَعَلَيْهِ إِعَادَةُ كُلِّ مَا صَلَّى ذَكَرَهُ أَبُو عُمَرَ. وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ غَابَ عَنْهَا أَنْ يَسْتَقْبِلَ نَاحِيَتَهَا وَشَطْرَهَا وَتِلْقَاءَهَا، فَإِنْ خَفِيَتْ عَلَيْهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَدِلَّ عَلَى ذَلِكَ بِكُلِّ مَا يُمْكِنُهُ مِنَ النُّجُومِ وَالرِّيَاحِ وَالْجِبَالِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى نَاحِيَتِهَا. وَمَنْ جَلَسَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَلْيَكُنْ وَجْهُهُ إِلَى الْكَعْبَةِ وَيَنْظُرْ إِلَيْهَا إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، فَإِنَّهُ يُرْوَى أَنَّ النَّظَرَ إِلَى الْكَعْبَةِ عِبَادَةٌ، قَالَهُ عَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ. الرَّابِعَةُ- وَاخْتَلَفُوا هَلْ فَرْضُ الْغَائِبِ اسْتِقْبَالُ الْعَيْنِ أَوِ الْجِهَةِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَهُوَ ضَعِيفٌ، لِأَنَّهُ تَكْلِيفٌ لِمَا لَا يَصِلُ «١» إِلَيْهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِالْجِهَةِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ لِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ- أَنَّهُ الْمُمْكِنُ الَّذِي يَرْتَبِطُ بِهِ التَّكْلِيفُ. الثَّانِي- أَنَّهُ الْمَأْمُورُ بِهِ فِي الْقُرْآنِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى:" فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ" يَعْنِي مِنَ الْأَرْضِ مِنْ شَرْقٍ أَوْ غَرْبٍ" فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ". الثَّالِثُ- أَنَّ الْعُلَمَاءَ احْتَجُّوا بِالصَّفِّ الطَّوِيلِ الَّذِي يُعْلَمُ قَطْعًا أَنَّهُ أَضْعَافُ عَرْضِ الْبَيْتِ. الْخَامِسَةُ- فِي هَذِهِ الْآيَةِ حُجَّةٌ وَاضِحَةٌ لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ وَمَنْ وَافَقَهُ فِي أَنَّ الْمُصَلِّيَ حُكْمَهُ أَنْ يَنْظُرَ أَمَامَهُ لَا إِلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ. يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ نَظَرُهُ إِلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ. وَقَالَ شَرِيكٌ الْقَاضِي: يَنْظُرُ فِي الْقِيَامِ إِلَى مَوْضِعِ السُّجُودِ، وَفِي الرُّكُوعِ إِلَى مَوْضِعِ قَدَمَيْهِ، وَفِي السُّجُودِ إِلَى مَوْضِعِ أَنْفِهِ، وَفِي الْقُعُودِ إِلَى حِجْرِهِ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إِنَّمَا يَنْظُرُ أَمَامَهُ فَإِنَّهُ إِنْ حَنَى رَأْسَهُ ذَهَبَ بَعْضُ الْقِيَامِ الْمُفْتَرَضِ عَلَيْهِ فِي الرَّأْسِ وَهُوَ أَشْرَفُ الْأَعْضَاءِ، وَإِنْ أَقَامَ رَأْسَهُ وَتَكَلَّفَ النَّظَرَ بِبَصَرِهِ إِلَى الْأَرْضِ فَتِلْكَ مَشَقَّةٌ عَظِيمَةٌ وَحَرَجٌ. وَمَا جَعَلَ عَلَيْنَا فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ، أَمَا إِنَّ ذلك أفضل لمن قدر عليه.
(١). كذا في كتاب الأحكام لابن العربي. وفى الأصول:" ما لا يوصل إليه".
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.