ومعنى الاستفهام فيها للتقرير. فإن قلت: ما معنى (مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ)؟ قلت: معناه: من بعد ما تمكن من معرفتها أو عرفها، كقوله:(ثُمَّ يُحَرِفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ)[البقرة: ٧٥]؛ لأنه إذا لم يتمكن من معرفتها أو لم يعرفها فكأنها غائبة عنه. وقرئ:(وَمَنْ يُبَدِّلْ) بالتخفيف.
قوله:(ما معنى (مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ)؟ ) يعني: لا يصح تبديل الآيات إلا بعد مجيئها، فلم صرح به؟ وما فائدة تصريحه؟ والجواب: ربما يوجد التبديل عن غير خبرة بالمبدل أو عن جهل به فيعذر فاعله، وهؤلاء على خلاف ذلك، والفائدة: مزيد التقريع والتشنيع، وإثبات المجيء للآيات من الاستعارة، ويحتمل أنواعاً منها، قال القاضي: وفيه تعريض بأنهم بدلوها بعد ما عقلوها، ولذلك قيل: تقديره: فبدلوها ومن يبدل.
وقلت:(وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ) الآية، واردة على سبيل التذييل، وهي مع ذلك مشتملة على التتميم مقررة لقوله:(كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ) لتضمن الاستفهام في (كَمْ) معنى التقريع والتوبيخ، وفيها مبالغات شتى:
إحداها: العموم في (مِنْ) ليدخل هؤلاء الذين بدلوا فيه دخولاً أولياً.
وثانيتها: إقامة المظهر موضع المضمر كما سبق.
وثالثتها: إضافتها إلى اسم الله تعالى.
ورابعتها: التتميم في قوله: (مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ).
وخامستها: نسبة المجيء إلى الآيات على سبيل الاستعارة.
وسادستها: إيقاع (فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) جزاء للشرط على تأويل الإخبار، يعني: تبديل الناس نعمة الله سبب لإخبار الله بكونه شديد العقاب، وهذا لا يصار إليه إلا عند فظاعة الشأن.