فإن قلت: أي: معنى لقوله: (مِنْ بَعْدِي) بعد قوله: (خَلَفْتُمُونِي)؟ قلت: معناه: من بعد ما رأيتم مني؛ من توحيد الله، ونفي الشركاء عنه، وإخلاص العبادة له. أو: من بعد ما كنت أحمل بني إسرائيل على التوحيد، وأكفهم عما طمحت نحوه أبصارهم من عبادة البقر، حين قالوا:(اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ)[الأعراف: ١٢٨]. ومن حق الخلفاء أن يسيروا بسيرة المستخلف من بعده ولا يخالفوه، ونحوه:(فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ)[مريم: ٥٩] أي: من بعد أولئك الموصوفين بالصفات الحميدة.
قوله:(أي معنى لقوله: (من بعدي)، بعد قوله:(خلفتموني))، يريد أن الخليفة هو الذي يخلف المنوب فيما كان قائماً فيه بعد تخلفه، فلفظ (بعدي) كالتكرير.
وخلاصة الجواب أنه من باب قوله تعالى:(فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ)[النحل: ٢٦]، ومعلوم أن السقف لا يكون إلا من فوق، وفائدة ذكره تصوير حالة الخرور في الذهن وما يتصل منه إلى المخرور عليه، تهويلاً وتخويفاً، وكذلك قال:(من بعدي) تصويراً لمعنى نيابة المستخلف، ومزاولة سيرته، وسلوك هديه. ولذلك قال:"ومن حق الخلفاء أن يسيروا بسيرة المستخلف من بعده".
ولما كان جل هدي الأنبياء وسمتهم، الدعوة إلى التوحيد، والأمر بالعبادة بالإخلاص، والنهي عن الشرك والرذائل، قال مرة:"ما رأيتم مني من توحيد الله وإخلاص العبادة له"، وأخرى:"من بعد ما كنت أحمل بني إسرائيل على التوحيد، والنهي عن عبادة البقر".
ولما كان ديدن أصحاب الأنبياء محافظة الصلوات، والاعتزال عن ملاذ الدنيا وشهواتها، استشهد بقوله:(فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ واتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ)[مريم: ٥٩]. فقوله: