هُوَ وَالْمَلِكُ وَجُنُودُهُمَا إِلَّا أَكْلَةً وَاحِدَةً فِي وسط النهار، حتى يتكفأ النَّاسُ بِمَا فِي أَيْدِيهِمْ مُدَّةَ السَّبْعِ سِنِينَ، وَكَانَ رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ عَلَى أَهْلِ مِصْرَ، وَالْغَرَضُ أَنَّهُ كَانَ فِي جُمْلَةِ مِنْ وَرَدَ للميرة إخوة يوسف، فَإِنَّهُ بَلَغَهُمْ أَنَّ عَزِيزَ مِصْرَ يُعْطِي النَّاسَ الطَّعَامَ بِثَمَنِهِ، فَأَخَذُوا مَعَهُمْ بِضَاعَةً، يَعْتَاضُونَ بِهَا طَعَامًا، وَرَكِبُوا عَشَرَةُ نَفَرٍ، وَاحْتَبَسَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السلام عنده ابنه (بنيامين) شقيق يوسف عليه السَّلَامُ، وَكَانَ أَحَبَّ وَلَدِهِ إِلَيْهِ بَعْدَ يُوسُفَ، فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ، وَهُوَ جَالِسٌ فِي أُبَّهَتِهِ وَرِيَاسَتِهِ وَسِيَادَتِهِ عَرَفَهُمْ حِينَ نَظَرَ إِلَيْهِمْ {وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ}، أَيْ لَا يَعْرِفُونَهُ، لِأَنَّهُمْ فارقوه وهو صغير حدث وباعوه لِلسَّيَّارَةِ وَلَمْ يَدْرُوا أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهِ، وَلَا كَانُوا يَسْتَشْعِرُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ أَنْ يَصِيرَ إِلَى مَا صَارَ إِلَيْهِ، فَلِهَذَا لَمْ يَعْرِفُوهُ، وَأَمَّا هُوَ فَعَرَفُهُمْ، فَذَكَرَ السُّدِّيُّ وَغَيْرُهُ، أَنَّهُ شَرَعَ يُخَاطِبُهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ كَالْمُنْكِرِ عَلَيْهِمْ: مَا أَقْدَمُكُمْ بلادي؟ فقالوا: أيها العزيز قَدِمْنَا لِلْمِيرَةِ، قَالَ: فَلَعَلَّكُمْ عُيُونٌ؟ قَالُوا: مَعَاذَ اللَّهِ، قَالَ: فَمَنْ أَيْنَ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: مِنْ بلاد كنعان وأبونا يعقوب بني اللَّهِ، قَالَ: وَلَهُ أَوْلَادٌ غَيْرُكُمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ، كُنَّا اثْنَى عَشَرَ، فَذَهَبَ أَصْغَرُنَا هَلَكَ فِي الْبَرِّيَّةِ، وَكَانَ أَحَبَّنَا إِلَى أَبِيهِ، وَبَقِيَ شَقِيقُهُ فاحتبسه لِيَتَسَلَّى بِهِ عَنْهُ، فَأَمْرٌ بِإِنْزَالِهِمْ وَإِكْرَامِهِمْ، {وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ} أي أوفى لهم كَيْلَهُمْ وَحَمَّلَ لَهُمْ أَحْمَالَهُمْ قَالَ: ائْتُونِي بِأَخِيكُمْ هَذَا الَّذِي ذَكَرْتُمْ لِأَعْلَمَ صِدْقَكُمْ فِيمَا ذَكَرْتُمْ، {أَلَا تَرَوْنَ أني أُوفِي الكيل وَأَنَاْ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ؟} يُرَغِّبُهُمْ فِي الرُّجُوعِ إِلَيْهِ، ثُمَّ رَهَّبَهُمْ فَقَالَ: {فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِندِي} أَيْ إِنْ لَمْ تَقْدَمُوا بِهِ مَعَكُمْ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ فَلَيْسَ لَكُمْ عِنْدِي مِيرَةٌ، {وَلَا تَقْرَبُونِ * قَالُواْ سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ} أَيْ سَنَحْرِصُ عَلَى مَجِيئِهِ إِلَيْكَ بِكُلِّ مُمْكِنٍ وَلَا نُبْقِي مَجْهُودًا لِتَعْلَمَ صِدْقَنَا فِيمَا قُلْنَاهُ. {وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ} أي غلمانه، {اجعلوا بِضَاعَتَهُمْ} أي الَّتِي قَدِمُوا بِهَا لِيَمْتَارُوا عِوَضًا عَنْهَا {فِي رِحَالِهِمْ} أَيْ فِي أَمْتِعَتِهِمْ مِنْ حَيْثُ لَا يشعرون {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} بها، قيل خشي أن لا يَكُونَ عِنْدَهُمْ بِضَاعَةٌ أُخرى يَرْجِعُونَ لِلْمِيرَةِ بِهَا، وَقِيلَ: أَرَادَ أَنْ يَرُدَّهُمْ إِذَا وَجَدُوهَا فِي مَتَاعِهِمْ تَحَرُّجًا وَتَوَرُّعًا، لِأَنَّهُ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهُمْ، والله أعلم.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.