نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ فَنِعْمَ أَجْرُ العاملين}. قال أبو العالية وقتادة والسدي: أي أرض الجنة، فهذه الآية كقوله تَعَالَى: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأرض يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصالحون}، وَلِهَذَا قَالُوا: {نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ} أَيْ أَيْنَ شِئْنَا حَلَلْنَا فَنِعْمَ الْأَجْرُ أَجْرُنَا على عملنا. وفي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أنَس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي قِصَّةِ الْمِعْرَاجِ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ فَإِذَا فِيهَا جَنَابِذُ (الجنابذ: ما ارتفع من الأرض وغيرها والمراد عقود اللؤلؤ) اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك"، وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال: أَنَّ ابْنَ صَائِدٍ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ تُرْبَةِ الْجَنَّةِ فَقَالَ: «درمكة بيضاء مسك خالص» (أخرجه مسلم وعبد بن حميد. الدرمك: التراب الناعم).
وروى ابن أبي حاتم، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا} قَالَ: سِيقُوا حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، فَوَجَدُوا عِنْدَهَا شَجَرَةً يَخْرُجُ مِنْ تَحْتِ سَاقِهَا عَيْنَانِ، فَعَمَدُوا إِلَى إِحْدَاهُمَا فَتَطَهَّرُوا مِنْهَا، فَجَرَتْ عَلَيْهِمْ نَضْرَةُ النَّعِيمِ، فَلَمْ تُغَيَّرْ أَبْشَارُهُمْ بَعْدَهَا أَبَدًا، ولم تشعث أشعارهم بعدها أبداً، فإنما دُهِنُوا بِالدِّهَانِ ثُمَّ عَمَدُوا إِلَى الأُخْرى، كَأَنَّمَا أمروا بها فشربوا منها فأذهب مَا كَانَ فِي بُطُونِهِمْ مِنْ أَذًى أَوْ قَذًى، وَتَلَقَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى أَبْوَابِ الْجَنَّةِ: {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فادخلوها خَالِدِينَ}، وتلقى كل غلمان صاحبهم يطوفون بِهِ فِعْلَ الْوِلْدَانِ بِالْحَمِيمِ جَاءَ مِنَ الْغَيْبَةِ، أَبْشِرْ قَدْ أَعَدَّ اللَّهُ لَكَ مِنَ الْكَرَامَةِ كَذَا وَكَذَا، قَدْ أَعَدَّ اللَّهُ لَكَ مِنَ الكرامة كذا وكذا، قال: وَيَنْطَلِقُ غُلَامٌ مِنْ غِلْمَانِهِ إِلَى أَزْوَاجِهِ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، فَيَقُولُ: هَذَا فُلَانٌ بِاسْمِهِ فِي الدُّنْيَا، فَيَقُلْنَ: أَنْتَ رَأَيْتَهُ، فَيَقُولُ نَعَمْ، فَيَسْتَخِفُّهُنَّ الْفَرَحُ حَتَّى تَخْرُجَ إِلَى أَسْكُفَّةِ الْبَابِ، قَالَ: فَيَجِيءُ فَإِذَا هُوَ بِنَمَارِقَ مَصْفُوفَةٍ وَأَكْوَابٍ مَوْضُوعَةٍ وَزَرَابِيِ مَبْثُوثَةٍ، قَالَ، ثُمَّ يَنْظُرُ إِلَى تَأْسِيسِ بُنْيَانِهِ، فَإِذَا هُوَ قَدْ أَسَّسَ عَلَى جَنْدَلِ اللُّؤْلُؤِ بَيْنَ أَحْمَرَ وَأَخْضَرَ وَأَصْفَرَ وَأَبْيَضَ، وَمِنْ كُلِّ لَوْنٍ ثُمَّ يَرْفَعُ طَرَفَهُ إِلَى سَقْفِهِ، فلولا أن الله تعالى قَدَّرَهُ لَهُ لَأَلَمَّ أَنْ يَذْهَبَ بِبَصَرِهِ إِنَّهُ لَمِثْلُ الْبَرْقِ، ثُمَّ يَنْظُرُ إِلَى أَزْوَاجِهِ مِنَ الحور العين، ثم يتكئ إلى أَرِيكَةٍ مِنْ أَرَائِكِهِ ثُمَّ يَقُولُ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا نهتدي لولا أَنْ هَدَانَا الله}.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.