وَأَمَّا مَا يُتَّخَذُ مِنْ التَّمْرِ فَثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ:) أَحَدُهَا: السَّكَرُ وَهُوَ النِّيءُ مِنْ مَاءِ التَّمْرِ إذَا غَلَى وَاشْتَدَّ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالثَّانِي الْفَضِيخُ وَهُوَ النِّيءُ مِنْ مَاءِ الْبُسْرِ الْمُذَنَّبِ إذَا غَلَى وَاشْتَدَّ وَقَذَفَ بِالزَّبَدِ وَالثَّالِثُ النَّبِيذُ وَهُوَ النِّيءُ مِنْ مَاءِ التَّمْرِ إذَا طُبِخَ أَدْنَى طَبْخَةٍ وَغَلَى وَاشْتَدَّ وَقَذَفَ بِالزَّبَدِ وَكَذَا يَقَعُ عَلَى الْمَاءِ الَّذِي أُنْقِعَ فِيهِ التَّمْرُ وَخَرَجَتْ حَلَاوَتُهُ وَغَلَى وَاشْتَدَّ وَقَذَفَ بِالزَّبَدِ.
(وَأَمَّا أَحْكَامُ هَذِهِ الْأَشْرِبَةِ فَهِيَ عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ:) فِي وَجْهٍ حَلَالٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَفِي وَجْهٍ حَرَامٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَفِي وَجْهٍ حَرَامٌ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، وَفِي وَجْهٍ حَلَالٌ عِنْدَنَا خِلَافًا لِبَعْضِ النَّاسِ، وَفِي وَجْهٍ حَلَالٌ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ أَمَّا مَا هُوَ حَلَالٌ بِالْإِجْمَاعِ فَهُوَ كُلُّ شَرَابٍ حُلْوٍ لَمْ يَشْتَدَّ، وَأَمَّا مَا هُوَ حَرَامٌ بِالْإِجْمَاعِ فَهُوَ الْخَمْرُ وَالسَّكَرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ.
(وَأَمَّا الْخَمْرُ فَلَهَا أَحْكَامٌ سِتَّةٌ:) أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَحْرُمُ شُرْبُ قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا، وَيَحْرُمُ الِانْتِفَاعُ بِهَا لِلتَّدَاوِي وَغَيْرِهِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَكْفُرُ جَاحِدُ حُرْمَتِهَا. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ يَحْرُمُ تَمْلِيكُهَا وَتَمَلُّكُهَا بِالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا لِلْعِبَادِ فِيهِ صُنْعٌ. وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ قَدْ بَطَلَ تَقَوُّمُهَا حَتَّى لَا يَضْمَنَ مُتْلِفُهَا كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ وَاخْتَلَفُوا فِي سُقُوطِ مَالِيَّتِهَا وَالصَّحِيحُ: أَنَّهَا مَالٌ لِجَرَيَانِ الشُّحِّ وَالضِّنَةِ فِيهَا كَذَا فِي الْكَافِي. وَالْخَامِسُ: هِيَ نَجِسَةٌ غَلِيظَةٌ كَالْبَوْلِ وَالدَّمِ. وَالسَّادِسُ: يَجِبُ الْحَدُّ بِشُرْبِهَا قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا وَيُبَاحُ تَخْلِيلُهَا كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ وَلَا يُؤَثِّرُ الطَّبْخُ فِيهَا؛ لِأَنَّ الطَّبْخَ فِي الشَّرْعِ لِلْمَنْعِ مِنْ ثُبُوتِ الْحُرْمَةِ لَا لِإِبْطَالِهَا بَعْدَ ثُبُوتِهَا؛ لِأَنَّ الطَّبْخَ أَثَرُهُ فِي إزَالَةِ صِفَةِ الْإِسْكَارِ وَبَعْدَ مَا صَارَ خَمْرًا لَا يُؤَثِّرُ فِيهَا ثُمَّ قِيلَ: لَا يُحَدُّ فِيهِ مَا لَمْ يُسْكِرْ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ بِالْقَلِيلِ مَخْصُوصٌ بِالنِّيءِ، وَهَذَا مَطْبُوخٌ، وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: يُحَدُّ مِنْ الشُّرْبِ مِنْهُ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا كَذَا فِي الْكَافِي.
وَالْخَمْرُ إذَا صَارَتْ خَلًّا، وَدَخَلَ فِيهَا بَعْضُ الْحُمُوضَةِ، وَلَكِنَّ فِيهَا بَعْضَ الْمَرَارَةِ لَا تَكُونُ خَلًّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - حَتَّى تَذْهَبَ الْمَرَارَةُ وَعِنْدَهُمَا بِقَلِيلِ الْحُمُوضَةِ يَحِلُّ هَذَا إذَا تَخَلَّلَ بِنَفْسِهِ أَمَّا إذَا خَلَّلَهُ بِعِلَاجٍ بِالْمِلْحِ أَوْ بِغَيْرِهِ يَحِلُّ عِنْدَنَا الْكُلُّ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ.
وَفِي شَرْحِ الشَّافِي لَوْ صُبَّ الْخَلُّ فِي الْخَمْرِ يُؤْكَلُ سَوَاءٌ كَانَتْ الْغَلَبَةُ لِلْخَمْرِ أَوْ لِلْخَلِّ بَعْدَ مَا صَارَ حَامِضًا، وَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنْ كَانَتْ الْخَمْرُ هِيَ الْغَالِبَ فَكَذَلِكَ، أَمَّا إذَا كَانَتْ الْغَلَبَةُ لِلْخَلِّ ذُكِرَ فِي مَجْمُوعِ النَّوَازِلِ لَا يَحِلُّ مِنْ سَاعَتِهِ مَا لَمْ يَمْضِ زَمَانٌ عُلِمَ أَنَّهُ صَارَ خَلًّا كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْأَصْلِ: إذَا طُرِحَ فِي الْخَمْرِ رَيْحَانٌ يُقَالُ لَهُ: سَوْسَنٌ حَتَّى تُوجَدَ رَائِحَتُهُ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُدْهَنَ أَوْ يُتَطَيَّبَ بِهَا، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا، وَإِنْ تَغَيَّرَتْ رَائِحَتُهَا بِمَا أُلْقِيَ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَصِرْ خَلًّا، وَالْخَمْرُ مَا لَمْ تَصِرْ خَلًّا لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهَا وَلَا تَمْتَشِطُ الْمَرْأَةُ بِهَا، وَهُوَ عَادَةُ بَعْضِ النِّسَاءِ قِيلَ: إنَّهَا تَزِيدُ فِي بَرِيقِ الشَّعْرِ، وَلَا يُدَاوِي بِهَا جُرْحًا فِي بَدَنِهِ أَوْ دُبُرِ دَابَّتِهِ، وَلَا يَحْتَقِنُ بِهَا، وَلَا يَقْطُرُ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.