مَحَلُّ الِاسْتِدْلَالِ رُؤْيَتُهُ الرَّجُلَ الَّذِي خَرَجَ عَقِبَهُ وَضَرْبُهُ بِالسَّوْطِ، فَإِنَّهُ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِتَعْذِيبِهِ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَابْنُ عَسَاكِرَ، مِنْ طَرِيقِ عُرْوَةَ بْنِ رُوَيْمٍ، عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ الصَّحَابِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ كَانَ يُحِبُّ أَنْ يُقْبَضَ، فَكَانَ يَدْعُو: اللَّهُمَّ كَبُرَتْ سِنِّي، وَوَهَنَ عَظْمِي، فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ، قَالَ: فَبَيْنَمَا أَنَا يَوْمًا فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ وَأَنَا أُصَلِّي وَأَدْعُو أَنْ أُقْبَضَ، إِذَا أَنَا بِفَتًى شَابٍّ مِنْ أَجْمَلِ الرِّجَالِ، وَعَلَيْهِ رَوَاحٌ أَخْضَرُ، فَقَالَ: مَا هَذَا الَّذِي تَدْعُو بِهِ؟ قُلْتُ: وَكَيْفَ أَدْعُو؟ قَالَ: قُلْ: اللَّهُمَّ حُسْنَ الْعَمَلِ، وَبَلْغَ الْأَجَلِ، قُلْتُ: مَنْ أَنْتَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ؟ قَالَ: أَنَا رَتَايِيلُ الَّذِي يَسُلُّ الْحُزْنَ مِنْ صُدُورِ الْمُؤْمِنِينَ، ثُمَّ الْتَفَتُّ فَلَمْ أَرَ أَحَدًا.
وَأَخْرَجَ ابن عساكر فِي تَارِيخِهِ، عَنْ سعيد بن سنان قَالَ: أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ أُرِيدُ الصَّلَاةَ، فَدَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَبَيْنَمَا أَنَا عَلَى ذَلِكَ، إِذْ سَمِعْتُ حَفِيفًا لَهُ جَنَاحَانِ قَدْ أَقْبَلَ وَهُوَ يَقُولُ: سُبْحَانَ الدَّائِمِ الْقَائِمِ، سُبْحَانَ الْحَيِّ الْقَيُّومِ، سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ، سُبْحَانَ رَبِّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ، سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ الْعَلِيِّ الْأَعْلَى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، ثُمَّ أَقْبَلَ حَفِيفٌ يَتْلُوهُ يَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ أَقْبَلَ حَفِيفٌ بَعْدَ حَفِيفٍ يَتَجَاوَبُونَ بِهَا حَتَّى امْتَلَأَ الْمَسْجِدُ، فَإِذَا بَعْضُهُمْ قَرِيبٌ مِنِّي فَقَالَ: آدَمِيٌّ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: لَا رَوْعَ عَلَيْكَ، هَذِهِ الْمَلَائِكَةُ.
تَذْنِيبٌ: وَمِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يَدْخُلَ هُنَا مَا أَخْرَجَهُ أبو داود مِنْ طَرِيقِ أبي عمير بن أنس، عَنْ عُمُومَةٍ لَهُ مِنَ الْأَنْصَارِ، «أَنَّ عبد الله بن زيد قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لَبَيْنَ نَائِمٍ وَيَقْظَانَ إِذْ أَتَانِي آتٍ، فَأَرَانِي الْأَذَانَ، وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَدْ رَآهُ قَبْلَ ذَلِكَ فَكَتَمَهُ عِشْرِينَ يَوْمًا» . وَفِي كِتَابِ الصَّلَاةِ لِأَبِي نُعَيْمٍ الْفَضْلِ بْنِ دُكَيْنٍ، أَنَّ عبد الله بن زيد قَالَ: لَوْلَا اتِّهَامِي لِنَفْسِي لَقُلْتُ: إِنِّي لَمْ أَكُنْ نَائِمًا، وَفِي سُنَنِ أبي داود مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى: «جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْتُ رَجُلًا كَأَنَّ عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ أَخْضَرَيْنِ، فَأَذَّنَ ثُمَّ قَعَدَ قَعْدَةً، ثُمَّ قَامَ فَقَالَ مِثْلَهَا، إِلَّا أَنَّهُ يَقُولُ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، وَلَوْلَا أَنْ يَقُولَ النَّاسُ لَقُلْتُ: إِنِّي كُنْتُ يَقْظَانًا غَيْرَ نَائِمٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَقَدْ أَرَاكَ اللَّهُ خَيْرًا» .
فَقَالَ الشَّيْخُ ولي الدين العراقي فِي شَرْحِ سُنَنِ أبي داود: قَوْلُهُ: " إِنِّي لَبَيْنَ نَائِمٍ وَيَقْظَانَ " مُشْكِلٌ ; لِأَنَّ الْحَالَ لَا يَخْلُو عَنْ نَوْمٍ أَوْ يَقَظَةٍ، فَكَانَ مُرَادُهُ أَنَّ نَوْمَهُ كَانَ خَفِيفًا قَرِيبًا مِنَ الْيَقَظَةِ، فَصَارَ كَأَنَّهُ دَرَجَةٌ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ النَّوْمِ وَالْيَقَظَةِ. قُلْتُ: أَظْهَرُ مِنْ هَذَا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي تَعْتَرِي أَرْبَابَ الْأَحْوَالِ وَيُشَاهِدُونَ فِيهَا مَا يُشَاهِدُونَ، وَيَسْمَعُونَ مَا يَسْمَعُونَ، وَالصَّحَابَةُ رَضِيَ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.