وَالثَّانِيَةُ: فِي انْتِبَاذِ شَيْئَيْنِ، مِثْلَ الْبُسْرِ وَالرُّطَبِ، وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ.
فَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الأُولَى فَإِنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِ الِانْتِبَاذِ فِي الْأَسْقِيَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا سِوَاهَا، فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَرِهَ الِانْتِبَاذَ فِي الدُّبَّاءِ وَالْمُزَفَّتِ وَلَمْ يَكْرَهْ غَيْرَ ذَلِكَ. وَكَرِهَ الثَّوْرِيُّ الِانْتِبَاذَ فِي الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالنَّقِيرِ وَالْمُزَفَّتِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: لَا بَأْسَ بِالِانْتِبَاذِ فِي جَمِيعِ الظُّرُوفِ وَالْأَوَانِي.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ اخْتِلَافُ الْآثَارِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ وَرَدَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ النَّهْيُ عَنِ الِانْتِبَاذِ فِي الْأَرْبَعِ الَّتِي كَرِهَهَا الثَّوْرِيُّ، وَهُوَ حَدِيثٌ ثَابِتٌ. وَرَوَى مَالِكٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي الْمُوَطَّأِ «أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - نَهَى عَنِ الِانْتِبَاذِ فِي الدُّبَّاءِ وَالْمُزَفَّتِ» .
وَجَاءَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مِنْ طَرِيقِ شَرِيكٍ عَنْ سِمَاكٍ أَنَّهُ قَالَ: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ أَنْ تَنْبِذُوا فِي الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالنَّقِيرِ وَالْمُزَفَّتِ، فَانْتَبِذُوا وَلَا أُحِلُّ مُسْكِرًا» . وَحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ الَّذِي رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ، وَهُوَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنِ الِانْتِبَاذِ فَانْتَبِذُوا، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» .
فَمَنْ رَأَى أَنَّ النَّهْيَ الْمُتَقَدِّمَ الَّذِي نُسِخَ إِنَّمَا كَانَ نَهْيًا عَنِ الِانْتِبَاذِ فِي هَذِهِ الْأَوَانِي؛ إِذْ لَمْ يُعْلَمُ هَا هُنَا نَهْيٌ مُتَقَدِّمٌ غَيْرُ ذَلِكَ - قَالَ: يَجُوزُ الِانْتِبَاذُ فِي كُلِّ شَيْءٍ. وَمَنْ قَالَ: إِنَّ النَّهْيَ الْمُتَقَدِّمَ الَّذِي نُسِخَ إِنَّمَا كَانَ نَهْيًا عَنِ الِانْتِبَاذِ مُطْلَقًا - قَالَ: بَقِيَ النَّهْيُ عَنِ الِانْتِبَاذِ فِي هَذِهِ الْأَوَانِي.
فَمَنِ اعْتَمَدَ فِي ذَلِكَ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ قَالَ بِالْآيَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ فِيهِ، وَمَنِ اعْتَمَدَ فِي ذَلِكَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ بِالْأَرْبَعَةِ؛ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ مَزِيدًا، وَالْمُعَارَضَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ إِنَّمَا هِيَ مِنْ بَابِ دَلِيلِ الْخِطَابِ. وَفِي كِتَابِ مُسْلِمٍ النَّهْيُ عَنِ الِانْتِبَاذِ فِي الْحَنْتَمِ، وَفِيهِ أَنَّهُ رَخَّصَ لَهُمْ فِيهِ إِذَا كَانَ غَيْرَ مُزَفَّتٍ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.