أَحَدُهُمَا: إِطْمَاعُهُ فِي فَوَائِدِ الْمُجَاهَدَةِ وَثَمَرَاتِهَا فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَذَلِكَ بِأَنْ يُكْثِرَ فِكْرَهُ فِي الْأَخْبَارِ الَّتِي أَوْرَدْنَاهَا فِي فَضْلِ الصَّبْرِ، وَفِي حُسْنِ عَوَاقِبِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
الثَّانِي: أَنْ يُصَارِعَ بَاعِثَ الْهَوَى بِالتَّدْرِيجِ إِلَى أَنْ يَقْمَعَ تِلْكَ الصِّفَاتِ الَّتِي رَسَخَتْ فِيهِ.
وَأَمَّا تَضْعِيفُ بَاعِثِ الشَّهْوَةِ فَبِقَطْعِ الْأَسْبَابِ الْمُهَيِّجَةِ لَهُ كَغَضِّ الْبَصَرِ الَّذِي يُحَرِّكُ الْقَلْبَ، أَوِ الْفِرَارِ مِنَ الصُّوَرِ الْمُشْتَهَاةِ بِالْكُلِّيَّةِ، أَوْ تَسْلِيَةِ النَّفْسِ بِالْمُبَاحِ مِنَ الْجِنْسِ الَّذِي يَشْتَهِيهِ كَالنِّكَاحِ، فَإِنَّ كُلَّ مَا يَشْتَهِيهِ الطَّبْعُ فَفِي الْمُبَاحَاتِ مِنْ جِنْسِهِ مَا يُغْنِي عَنِ الْمَحْظُورَاتِ مِنْهُ، وَمَنْ عَوَّدَ نَفْسَهُ مُخَالَفَةَ الْهَوَى غَلَبَهَا مَهْمَا أَرَادَ، فَهَذَا مِنْهَاجُ الْعِلَاجِ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ الصَّبْرِ.
بَيَانُ فَضِيلَةِ الشُّكْرِ
اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - قَرَنَ الشُّكْرَ بِالذِّكْرِ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ - تَعَالَى -: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ) [الْبَقَرَةِ: ١٥٢] وَقَالَ - تَعَالَى -: (مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ) [النِّسَاءِ: ١٤٧] وَقَالَ - تَعَالَى -: (وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ) [آلِ عِمْرَانَ: ١٤٥] وَقَطَعَ - تَعَالَى - بِالْمَزِيدِ مَعَ الشُّكْرِ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ) [إِبْرَاهِيمَ: ٧] وَمِنَ الْأَحَادِيثِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الطَّاعِمُ الشَّاكِرُ بِمَنْزِلَةِ الصَّائِمِ الصَّابِرِ» .
حَقِيقَةُ الشُّكْرِ
اعْلَمْ أَنَّ الشُّكْرَ يَنْتَظِمُ مِنْ عِلْمٍ وَحَالٍ وَعَمَلٍ، فَالْعِلْمُ مَعْرِفَةُ النِّعْمَةِ مِنَ الْمُنْعِمِ، وَالْحَالُ هُوَ الْفَرَحُ الْحَاصِلُ بِإِنْعَامِهِ، وَالْعَمَلُ هُوَ الْقِيَامُ بِمَا هُوَ مَقْصُودُ الْمُنْعِمِ وَمَحْبُوبُهُ، وَيَتَعَلَّقُ ذَلِكَ الْعَمَلُ بِالْقَلْبِ وَبِالْجَوَارِحِ وَبِاللِّسَانِ، أَمَّا بِالْقَلْبِ فَقَصْدُ الْخَيْرِ وَإِضْمَارُهُ لِكَافَّةِ الْخَلْقِ، وَأَمَّا بِاللِّسَانِ فَإِظْهَارُ الشُّكْرِ لِلَّهِ - تَعَالَى - بِالتَّحْمِيدَاتِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا بِالْجَوَارِحِ فَاسْتِعْمَالُ نِعَمِ اللَّهِ - تَعَالَى - فِي طَاعَتِهِ وَالتَّوَقِّي مِنَ الِاسْتِعَانَةِ بِهَا عَلَى مَعْصِيَتِهِ.
بَيَانُ الشُّكْرِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى
اعْلَمْ أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَكُونُ شَاكِرًا لِمَوْلَاهُ إِلَّا إِذَا اسْتَعْمَلَ نِعْمَتَهُ فِي مَحَبَّتِهِ، أَيْ فِيمَا أَحَبَّهُ لِعَبْدِهِ لَا لِنَفْسِهِ، وَأَمَّا إِذَا اسْتَعْمَلَ نِعْمَتَهُ فِيمَا كَرِهَهُ فَقَدْ كَفَرَ نِعْمَتَهُ، كَمَا إِذَا أَهْمَلَهَا وَعَطَّلَهَا، وَإِنْ كَانَ هَذَا دُونَ الْأَوَّلِ إِلَّا أَنَّهُ كُفْرَانٌ لِلنِّعْمَةِ بِالتَّضْيِيعِ، وَكُلُّ مَا خُلِقَ فِي الدُّنْيَا إِنَّمَا خُلِقَ آلَةً لِلْعَبْدِ لِيَتَوَصَّلَ بِهِ إِلَى سَعَادَتِهِ.
ثُمَّ إِنَّ فِعْلَ الشُّكْرِ وَتَرْكَ الْكُفْرِ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِمَعْرِفَةِ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ - تَعَالَى - عَمَّا يَكْرَهُهُ، وَلِتَمْيِيزِ ذَلِكَ مُدْرَكَانِ:
أَحَدُهُمَا: السَّمْعُ وَمُسْتَنَدُهُ الْآيَاتُ وَالْأَخْبَارُ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.