أَنَّ مَعْنَى الزِّيَادَةِ الْحَاصِلَةِ فِي الْأَرْضِ هِيَ أَنَّ النَّبَاتَ لَمَّا كَانَ نَابِتًا فِيهَا مُتَّصِلًا بِهَا صَارَ كَأَنَّهُ زِيَادَةٌ حَصَلَتْ فِي نَفْسِ الْأَرْضِ.
وَقَالَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: وَالِاهْتِزَازُ: الْحَرَكَةُ عَلَى سُرُورٍ، فَلَا يَكَادُ يُقَالُ: اهْتَزَّ فُلَانٌ لَكَيْتَ وَكَيْتَ، إِلَّا إِذَا كَانَ الْأَمْرُ مِنَ الْمَحَاسِنِ وَالْمَنَافِعِ. اهـ مِنْهُ.
وَالِاهْتِزَازُ أَصْلُهُ: شِدَّةُ الْحَرَكَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ:
تَثَنَّى إِذَا قَامَتْ وَتَهْتَزُّ إِنْ مَشَتْ كَمَا اهْتَزَّ غُصْنُ الْبَانِ فِي وَرَقٍ خُضْرِ
وَقَوْلُهُ: وَأَنْبَتَتْ؛ أَيْ: أَنْبَتَ اللَّهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ؛ أَيْ: صِنْفٍ مِنْ أَصْنَافِ النَّبَاتِ وَالزَّرْعِ، وَالثِّمَارِ: بَهِيجٍ؛ أَيْ: حَسَنٍ، وَالْبَهْجَةُ: الْحُسْنُ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ تَقُولُ: بَهُجَ بِالضَّمِّ بَهَاجَةً فَهُوَ بَهِيجٌ: إِذَا كَانَ حَسَنًا، وَقَرَأَ عَامَّةُ السَّبْعَةِ: وَرَبَتْ، وَهُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ: رَبَا يَرْبُو: إِذَا نَمَا وَزَادَ، وَقَرَأَ مِنَ الثَّلَاثَةِ أَبُو جَعْفَرٍ يَزِيدُ بْنُ الْقَعْقَاعُ: وَرَبَأَتْ بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَ الْبَاءِ؛ أَيِ ارْتَفَعَتْ، كَأَنَّهُ مِنَ الرَّبِيئَةِ أَوِ الرَّبِيئِيِّ، وَهُوَ الرَّقِيبُ الَّذِي يَعْلُو عَلَى شَيْءٍ مُشْرِفٍ يَحْرُسُ الْقَوْمَ وَيَحْفَظُهُمْ.
وَمِنْهُ قَوْلُ امْرِئِ الْقَيْسِ:
بَعَثْنَا رَبِيئًا قَبْلَ ذَاكَ مُخَمَّلًا ... كَذِئْبِ الْغَضَا يَمْشِي الضَّرَاءَ وَيَتَّقِي
وَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مِنْ أَنَّ إِحْيَاءَ الْأَرْضِ بَعْدَ مَوْتِهَا بُرْهَانٌ قَاطِعٌ عَلَى قُدْرَةِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَلَى إِحْيَاءِ النَّاسِ بَعْدَ مَوْتِهِمْ ; لِأَنَّ الْجَمِيعَ إِحْيَاءٌ بَعْدَ مَوْتٍ، وَإِيجَادٌ بَعْدَ عَدَمٍ بَيَّنَهُ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ، وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَالنَّحْلِ كَثْرَةَ الِاسْتِدْلَالِ بِهَذَا الْبُرْهَانِ فِي الْقُرْآنِ عَلَى الْبَعْثِ، وَذَكَرْنَا الْآيَاتِ الدَّالَّةَ عَلَى ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [٤١ \ ٣٩] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ [٣٠ \ ١٩] ؛ أَيْ: مِنْ قُبُورِكُمْ أَحْيَاءً بَعْدَ الْمَوْتِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ [٥٠ \ ١١] ؛ أَيْ: خُرُوجُكُمْ مِنَ الْقُبُورِ أَحْيَاءً بَعْدَ الْمَوْتِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [٧ \ ٥٧] ، وَقَوْلِهِ: فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [٣٠ \ ٥٠] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.