مُبَيِّنًا مَنْ أَقْسَمَ أَنَّهُ يَنْصُرُهُ ; لِأَنَّهُ يَنْصُرُ اللَّهَ - جَلَّ وَعَلَا -: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ الْآيَةَ [٢٢ \ ٤١] وَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ: مِنْ أَنَّ مَنْ نَصَرَ اللَّهَ نَصَرَهُ اللَّهُ جَاءَ مُوَضَّحًا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ [٤٧ \ ٧ - ٨] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ [٣٧ \ ١٧١ - ١٧٣] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [٥٨ \ ٢١] وَقَوْلِهِ: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ الْآيَةَ [٢٤ \ ٥٥] ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ الْآيَةَ [٢٢ \ ٤١] ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا وَعْدَ مِنَ اللَّهِ بِالنَّصْرِ، إِلَّا مَعَ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَالَّذِينَ يُمَكِّنُ اللَّهُ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَيَجْعَلُ الْكَلِمَةَ فِيهَا وَالسُّلْطَانَ لَهُمْ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَلَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ، وَلَا يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَا يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ فَلَيْسَ لَهُمْ وَعْدٌ مِنَ اللَّهِ بِالنَّصْرِ ; لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ حِزْبِهِ، وَلَا مِنْ أَوْلِيَائِهِ الَّذِينَ وَعَدَهُمْ بِالنَّصْرِ، بَلْ هُمْ حِزْبُ الشَّيْطَانِ وَأَوْلِيَاؤُهُ، فَلَوْ طَلَبُوا النَّصْرَ مِنَ اللَّهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ وَعَدَهُمْ إِيَّاهُ، فَمَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الْأَجِيرِ الَّذِي يَمْتَنِعُ مِنْ عَمَلِ مَا أُجِرَ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَطْلُبُ الْأُجْرَةَ، وَمَنْ هَذَا شَأْنُهُ فَلَا عَقْلَ لَهُ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [٢٢ \ ٤٠] الْعَزِيزُ الْغَالِبُ الَّذِي لَا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ، كَمَا قَدَّمْنَاهُ مِرَارًا بِشَوَاهِدِهِ الْعَرَبِيَّةِ، وَهَذِهِ الْآيَاتُ تَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ خِلَافَةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ ; لِأَنَّ اللَّهَ نَصَرَهُمْ عَلَى أَعْدَائِهِمْ، لِأَنَّهُمْ نَصَرُوهُ فَأَقَامُوا الصَّلَاةَ، وَآتَوُا الزَّكَاةَ، وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ، وَقَدْ مَكَّنَ لَهُمْ، وَاسْتَخْلَفَهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا قَالَ: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ الْآيَةَ [٢٤ \ ٥٥] ، وَالْحَقُّ أَنَّ الْآيَاتِ الْمَذْكُورَةَ تَشْمَلُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَكُلَّ مَنْ قَامَ بِنُصْرَةِ دِينِ اللَّهِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنَّ الَّذِي عَامَلَهُ بِهِ قَوْمُهُ مِنَ التَّكْذِيبِ عُومِلَ بِهِ غَيْرُهُ مِنَ الرُّسُلِ الْكِرَامِ، وَذَلِكَ يُسَلِّيهِ وَيُخَفِّفُ عَلَيْهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.