زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا [٦٤ \ ٧] وَكَمَا قَالَ تَعَالَى وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ [٣٦ \ ٧٨] وَقَالَ تَعَالَى عَنْهُمْ إِنَّهُمْ قَالُوا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ [٦ \ ٢٩] وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ [٤٤ \ ٣٥] وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَالْكُفَّارُ مُعَاجِزِينَ اللَّهَ فِي زَعْمِهِمُ الْبَاطِلِ، وَقَدْ بَيَّنَ تَعَالَى فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ أَنَّ زَعْمَهُمْ هَذَا كَاذِبٌ، وَأَنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ رَبَّهُمْ بِحَالٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ [٩ \ ٢] وَقَوْلِهِ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [٩ \ ٣] وَقَوْلِهِ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ الْآيَةَ [٢٩ \ ٢٢] وَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي «الْجِنِّ» وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا [٧٢ \ ١٢] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ مِمَّا يُوَضِّحُ هَذَا الْوَجْهَ الْأَخِيرَ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -:
زَعَمَتْ سَخِينَةُ أَنْ سَتَغْلِبُ رَبَّهَا ... وَلَيَغْلِبَنَّ مَغَالِبَ الْغُلَّابِ
وَمُرَادُهُ بِسَخِينَةَ قُرَيْشٌ يَعْنِي: أَنَّهُمْ يُحَاوِلُونَ غَلَبَةَ رَبِّهِمْ، وَاللَّهُ غَالِبُهُمْ بِلَا شَكٍّ وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَأَمَّا عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ، وَأَبِي عَمْرٍو: مُعْجِزِينَ بِكَسْرِ الْجِيمِ الْمُشَدَّدَةِ، بِلَا أَلِفٍ، فَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمَعْنَى مُعْجِزِينَ أَيْ: مُثَبِّطِينَ مَنْ أَرَادَ الدُّخُولَ فِي الْإِيمَانِ عَنِ الدُّخُولِ فِيهِ، وَقِيلَ مُعْجِزِينَ مَنِ اتَّبَعَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَعْنَى ذَلِكَ: أَنَّهُمْ يَنْسُبُونَهُمْ إِلَى الْعَجْزِ مِنْ قَوْلِهِمْ: عَجَّزَهُ بِالتَّضْعِيفِ إِذَا نَسَبَهُ إِلَى الْعَجْزِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْحَزْمِ، يَعْنُونَ: أَنَّهُ يَحْسَبُونَ الْمُسْلِمِينَ سُفَهَاءَ لَا عُقُولَ لَهُمْ، حَيْثُ ارْتَكَبُوا أَمْرًا غَيْرَ الْحَزْمِ وَالصَّوَابِ، وَهُوَ اتِّبَاعُ دِينِ الْإِسْلَامِ فِي زَعْمِهِمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْ إِخْوَانِهِمُ الْمُنَافِقِينَ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ الْآيَةَ [٢ \ ١٣] وَقَوْلِهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا [٢٢ \ ٥١] .
اعْلَمْ أَوَّلًا: أَنَّ السَّعْيَ يُطْلَقُ عَلَى الْعَمَلِ فِي الْأَمْرِ لِإِفْسَادِهِ وَإِصْلَاحِهِ، وَمِنَ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْإِفْسَادِ قَوْلُهُ تَعَالَى هُنَا وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا أَيْ: سَعَوْا فِي إِبْطَالِهَا وَتَكْذِيبِهَا بِقَوْلِهِمْ: إِنَّهَا سِحْرٌ وَشِعْرٌ وَكَهَانَةٌ وَأَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ، وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَمِنْ إِطْلَاقِ السَّعْيِ فِي الْفَسَادِ أَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا الْآيَةَ [٢ \ ٢٠٥] وَمِنْ إِطْلَاقِ السَّعْيِ فِي الْعَمَلِ لِلْإِصْلَاحِ قَوْلُهُ تَعَالَى إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا [٧٦ \ ٢٢]
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.