يَا رَبِّ إِنِّي نَاشَدٌ مُحَمَّدًا ... حِلْفَ أَبِينَا وَأَبِيهِ الْأَتْلَدَا
وَأَخْرَجَ الْقِصَّةَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:
الْوَلِيجَةُ: الْبِطَانَةُ مِنْ غَيْرِ دِينِهِمْ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: وَلِيجَةٌ: أَيْ خيانة.
[سورة التوبة (٩) : الآيات ١٧ الى ٢٢]
مَا كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ (١٧) إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨) أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩) الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ (٢٠) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١)
خالِدِينَ فِيها أَبَداً إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢)
قَرَأَ الْجُمْهُورُ يَعْمُرُوا بِفَتْحِ حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ وَضَمِّ الْمِيمِ مِنْ عَمَرَ يَعْمُرُ، وَقَرَأَ ابْنُ السميقع بِضَمِّ حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ مِنْ أَعْمَرَ يُعْمِرُ، أَيْ: يَجْعَلُونَ لَهَا مَنْ يَعْمُرُهَا. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَمُجَاهِدٌ وَابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَابْنُ مُحَيْصِنٍ وَسَهْمٌ وَيَعْقُوبُ مَسْجِدَ اللَّهِ بِالْإِفْرَادِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ مَساجِدَ بِالْجَمْعِ، وَاخْتَارَهَا أَبُو عُبَيْدَةَ قَالَ النَّحَّاسُ: لِأَنَّهَا أَعَمُّ، وَالْخَاصُّ يَدْخُلُ تَحْتَ الْعَامِّ، وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالْجَمْعِ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ خَاصَّةً، وَهَذَا جَائِزٌ فِيمَا كَانَ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ كَمَا يُقَالُ فُلَانٌ يَرْكَبُ الْخَيْلَ وَإِنْ لَمْ يَرْكَبْ إِلَّا فَرَسًا قَالَ: وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى الْجَمْعِ فِي قَوْلِهِ: إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا قَالَ مَساجِدَ وَالْمُرَادُ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ لِأَنَّهُ قِبْلَةُ الْمَسَاجِدِ كُلِّهَا وَإِمَامُهَا، فَعَامِرُهُ كَعَامِرِ جَمِيعِ الْمَسَاجِدِ. قَالَ الْفَرَّاءُ: الْعَرَبُ قَدْ تَضَعُ الْوَاحِدَ مَكَانَ الْجَمْعِ كَقَوْلِهِمْ: فُلَانٌ كَثِيرُ الدِّرْهَمِ وَبِالْعَكْسِ كَقَوْلِهِمْ فُلَانٌ يُجَالِسُ الْمُلُوكَ وَلَعَلَّهُ لَمْ يُجَالِسْ إِلَّا مَلِكًا وَاحِدًا وَالْمُرَادُ بِالْعِمَارَةِ: إِمَّا الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ، أَوِ الْمَعْنَى الْمَجَازِيُّ، وَهُوَ مُلَازَمَتُهُ، وَالتَّعَبُّدُ فِيهِ، وَكِلَاهُمَا لَيْسَ لِلْمُشْرِكِينَ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ الْمِنَّةَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِعِمَارَةِ مَسَاجِدِهِمْ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِكَوْنِ الْكُفَّارِ لَا عِبَادَةَ لَهُمْ مَعَ نَهْيِهِمْ عَنْ قُرْبَانِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَعْنَى مَا كانَ لِلْمُشْرِكِينَ مَا صَحَّ لَهُمْ وَمَا اسْتَقَامَ أَنْ يفعلوا ذلك، وشاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ حَالٌ، أَيْ:
مَا كَانَ لَهُمْ ذَلِكَ حَالَ كَوْنِهِمْ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ، بِإِظْهَارٍ مَا هُوَ كُفْرٌ مِنْ نَصْبِ الْأَوْثَانِ، وَالْعِبَادَةِ لَهَا، وَجَعْلِهَا آلِهَةً، فَإِنَّ هَذَا شَهَادَةٌ مِنْهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ، وَإِنْ أَبَوْا ذَلِكَ بِأَلْسِنَتِهِمْ، فَكَيْفَ يَجْمَعُونَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ مُتَنَافِيَيْنِ: عمارة المسجد الَّتِي هِيَ مِنْ شَأْنِ الْمُؤْمِنِينَ، وَالشَّهَادَةُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ الَّتِي لَيْسَتْ مِنْ شَأْنِ مَنْ يَتَقَرَّبُ إِلَى اللَّهِ بِعِمَارَةِ مَسَاجِدِهِ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ قَوْلُهُمْ فِي طَوَافِهِمْ: لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، إِلَّا شَرِيكَ هُوَ لَكَ، تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ وَقِيلَ: شَهَادَتُهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ: إِنَّ الْيَهُودِيَّ يَقُولُ هُوَ يهودي،
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.