وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ قال: الذين يأمرونك بطرد هؤلاء.
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ٥٦ الى ٥٩]
قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (٥٦) قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ (٥٧) قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (٥٨) وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُها إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٥٩)
قَوْلُهُ: قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَمَرَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَنْ يَعُودَ إِلَى مُخَاطَبَةِ الْكُفَّارِ وَيُخْبِرَهُمْ بِأَنَّهُ نُهِيَ عَنْ عِبَادَةِ مَا يَدْعُونَهُ وَيَعْبُدُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ، أَيْ نهاه عَنْ ذَلِكَ وَصَرَفَهُ وَزَجَرَهُ، ثُمَّ أَمَرَهُ سُبْحَانَهُ بِأَنْ يَقُولَ لَهُمْ: لَا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ أَيْ لَا أَسَلُكُ الْمَسْلَكَ الَّذِي سَلَكْتُمُوهُ فِي دِينِكُمْ مِنَ اتِّبَاعِ الْأَهْوَاءِ وَالْمَشْيِ عَلَى مَا تُوجِبُهُ الْمَقَاصِدُ الْفَاسِدَةُ الَّتِي يَتَسَبَّبُ عَنْهَا الْوُقُوعُ فِي الضَّلَالِ. قَوْلُهُ: قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً أَيِ اتَّبَعْتُ أَهْوَاءَكُمْ فِيمَا طَلَبْتُمُوهُ مِنْ عِبَادَةِ مَعْبُودَاتِكُمْ وَطَرْدِ مَنْ أَرَدْتُمْ طَرْدَهُ وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ إِنْ فَعَلْتُ ذَلِكَ، وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى الْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا، وَالْمَجِيءُ بِهَا اسْمِيَّةً عَقِبَ تِلْكَ الْفِعْلِيَّةِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الدَّوَامِ وَالثَّبَاتِ، وَقُرِئَ ضَلَلْتُ بِفَتْحِ اللَّامِ وَكَسْرِهَا وَهُمَا لُغَتَانِ. قَالَ أَبُو عَمْرٍو: ضَلِلْتُ بِكَسْرِ اللَّامِ لُغَةُ تَمِيمٍ، وَهِيَ قِرَاءَةُ ابْنِ وَثَّابٍ وَطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وَالْأُولَى هِيَ الْأَصَحُّ وَالْأَفْصَحُ، لِأَنَّهَا لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ.
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَالضَّلَالُ وَالضَّلَالَةُ: ضِدُّ الرَّشَادِ، وَقَدْ ضَلَلْتُ أَضِلُّ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي «١» قَالَ فَهَذِهِ: يَعْنِي الْمَفْتُوحَةَ لُغَةُ نَجْدٍ وَهِيَ الْفَصِيحَةُ، وَأَهْلُ الْعَالِيَةِ يَقُولُ: ضَلِلْتُ بِالْكَسْرِ أَضِلُّ انْتَهَى. قَوْلُهُ: قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي الْبَيِّنَةُ: الْحُجَّةُ وَالْبُرْهَانُ، أَيْ إِنِّي عَلَى بُرْهَانٍ مِنْ رَبِّي وَيَقِينٍ، لَا عَلَى هَوًى وَشَكٍّ، أَمَرَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِأَنْ يُبَيِّنَ لَهُمْ أَنَّ مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ رَبِّهِ هُوَ عَنْ حُجَّةٍ بُرْهَانِيَّةٍ يَقِينِيَّةٍ، لَا كَمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ اتِّبَاعِ الشُّبَهِ الدَّاحِضَةِ وَالشُّكُوكِ الْفَاسِدَةِ الَّتِي لَا مُسْتَنَدَ لَهَا إِلَّا مُجَرَّدُ الْأَهْوِيَةِ الْبَاطِلَةِ. قَوْلُهُ:
وَكَذَّبْتُمْ بِهِ أَيْ بِالرَّبِّ، أَوْ بِالْعَذَابِ، أَوْ بِالْقُرْآنِ، أَوْ بِالْبَيِّنَةِ، وَالتَّذْكِيرُ لِلضَّمِيرِ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى. وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ إِمَّا حَالِيَّةٌ بِتَقْدِيرِ قَدْ: أَيْ وَالْحَالُ أَنْ قَدْ كَذَّبْتُمْ بِهِ، أَوْ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ التَّكْذِيبِ بِمَا جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْحُجَجِ الْوَاضِحَةِ وَالْبَرَاهِينِ الْبَيِّنَةِ. قَوْلُهُ: مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ أَخْبَرَهُمْ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يَتَعَجَّلُونَهُ مِنَ الْعَذَابِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا لِفَرْطِ تَكْذِيبِهِمْ يَسْتَعْجِلُونَ نُزُولَهُ، اسْتِهْزَاءً، نَحْوَ قَوْلِهِ:
أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً «٢» ، وَقَوْلُهُمْ: اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ «٣» ، وَقَوْلُهُمْ: مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ «٤» ، وَقِيلَ: مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي تَقْتَرِحُونَهَا عَلَيَّ. قَوْلُهُ: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ: أَيْ مَا الْحُكْمُ فِي كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا لِلَّهِ سُبْحَانَهُ، وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَوِ الْآيَاتِ المقترحة. والمراد: الحكم الفاصل
(١) . سبأ: ٥٠.(٢) . الإسراء: ٩٢.(٣) . الأنفال: ٣٢.(٤) . سبأ: ٢٩.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.