أَنْ يَتَأَوَّلُوا مَا يَتَشَابَهُ فِي الدِّينِ بِالتَّأْوِيلَاتِ الصَّحِيحَةِ وَيَطْلُبُوا مَا أَشْكَلَ مِنْهُ مِنَ الْمُجْمَلِ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الْأُصُولُ الْمُحْكَمَةُ حَتَّى لَا تَلْحَقَهُمْ حَيْرَةٌ وَلَا تَعْتَرِيَهُمْ شُبْهَةٌ وَقُرِئَ (لَهَادٍ الَّذِينَ آمَنُوا) بِالتَّنْوِينِ، وَلَمَّا بَيَّنَ سُبْحَانَهُ حَالَ الْكَافِرِينَ أَوَّلًا ثُمَّ حَالَ الْمُؤْمِنِينَ ثَانِيًا عَادَ إِلَى شَرْحِ حَالِ الْكَافِرِينَ مَرَّةً أُخْرَى فَقَالَ: وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ أَيْ مِنَ الْقُرْآنِ أَوْ مِنَ الرَّسُولِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَعْصَارَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ لَا تَخْلُو مِمَّنْ هَذَا وَصْفُهُ.
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَيْ فَجْأَةً مِنْ دُونِ أَنْ يَشْعُرُوا ثُمَّ جَعَلَ السَّاعَةَ غَايَةً لِكُفْرِهِمْ، وَأَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ عِنْدَ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ عَلَى وَجْهِ الْإِلْجَاءِ. وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالْيَوْمِ الْعَقِيمِ/ وَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا:
أَنَّهُ يَوْمُ بَدْرٍ وَإِنَّمَا وُصِفَ يَوْمُ الْحَرْبِ بِالْعَقِيمِ لِوُجُوهٍ أَرْبَعَةٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ أَوْلَادَ النِّسَاءِ يُقْتَلُونَ فِيهِ فَيَصِرْنَ كَأَنَّهُنَّ عُقُمٌ لَمْ يَلِدْنَ وَثَانِيهَا: أَنَّ الْمُقَاتِلِينَ يُقَالُ لَهُمْ أَبْنَاءُ الْحَرْبِ فَإِذَا قُتِلُوا وُصِفَ يَوْمُ الْحَرْبِ بِالْعَقِيمِ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ وَثَالِثُهَا: هُوَ الَّذِي لَا خَيْرَ فِيهِ يُقَالُ رِيحٌ عَقِيمٌ إِذَا لَمْ تُنْشِئْ مَطَرًا وَلَمْ تُلَقِّحْ شَجَرًا وَرَابِعُهَا: أَنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ فِي عِظَمِ أَمْرِهِ، وَذَلِكَ لِقِتَالِ الْمَلَائِكَةِ فِيهِ الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّمَا وُصِفَ بِالْعَقِيمِ لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ فِيهِ خَيْرًا وَثَانِيهَا: أَنَّهُ لَا لَيْلَ فِيهِ فَيَسْتَمِرُّ كَاسْتِمْرَارِ الْمَرْأَةِ عَلَى تَعَطُّلِ الْوِلَادَةِ وَثَالِثُهَا: أَنَّ كُلَّ ذَاتِ حَمْلٍ تَضَعُ حَمْلَهَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فَكَيْفَ يَحْصُلُ الْحَمْلُ فِيهِ، وَهَذَا الْقَوْلُ أَوْلَى لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ اللَّه تَعَالَى وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَكُونَ الْمُرَادُ يَوْمَ بَدْرٍ، لِأَنَّ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ بَعْدَ يَوْمِ بَدْرٍ، فَإِنْ قِيلَ لَمَّا ذَكَرَ السَّاعَةَ. فَلَوْ حَمَلْتُمُ الْيَوْمَ الْعَقِيمَ عَلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَزِمَ التَّكْرَارُ قُلْنَا لَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ السَّاعَةَ مِنْ مُقَدِّمَاتِ الْقِيَامَةِ وَالْيَوْمُ الْعَقِيمُ هُوَ نَفْسُ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَعَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لَوْ كَانَ كَمَا قَالَهُ لَمْ يَكُنْ تَكْرَارًا لَأَنَّ فِي الْأَوَّلِ ذَكَرَ السَّاعَةَ، وَفِي الثَّانِي ذَكَرَ عَذَابَ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالسَّاعَةِ وَقْتَ مَوْتِ كُلِّ أَحَدٍ وَبِعَذَابِ يَوْمٍ عَقِيمٍ الْقِيَامَةَ.
أَمَّا قَوْلُهُ: الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ فَمِنْ أَقْوَى مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْيَوْمَ الْعَقِيمَ هُوَ ذَلِكَ الْيَوْمُ وَأَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا مَالِكَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ سِوَاهُ فَهُوَ بِخِلَافِ أَيَّامِ الدُّنْيَا الَّتِي مَلَّكَ اللَّه الْأُمُورَ غَيْرَهُ، وَبَيَّنَ أَنَّهُ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمْ لَا حَاكِمَ سِوَاهُ وَذَلِكَ زَجْرٌ عَنْ مَعْصِيَتِهِ ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ، وَأَنَّهُ يُصَيِّرُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى جَنَّاتِ النَّعِيمِ، وَالْكَافِرِينَ فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ وَصْفُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فَإِنْ قِيلَ التَّنْوِينُ فِي (يَوْمَئِذٍ) عَنْ أَيِّ جُمْلَةٍ يَنُوبُ؟ قُلْنَا تَقْدِيرُهُ: الْمُلْكُ يَوْمَ يُؤْمِنُونَ أَوْ يَوْمَ تَزُولُ مِرْيَتُهُمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ.
[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٥٨ الى ٦٢]
وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٥٨) لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (٥٩) ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٦٠) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٦١) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.