إِهْلَاكِهِمْ وَالنَّجَاةِ مِنْهُمْ كَقَوْلُهُ تَعَالَى: فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [الْأَنْعَامِ: ٤٥] وَإِنَّمَا جَعَلَ سُبْحَانَهُ اسْتِوَاءَهُمْ عَلَى السَّفِينَةِ نَجَاةً مِنَ الْغَرَقِ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ كَانَ عَرَّفَهُ أَنَّهُ بِذَلِكَ يُنْجِيهِ وَمَنْ تَبِعَهُ، فَيَصِحُّ أَنْ يَقُولَ: نَجَّانا مِنْ حَيْثُ جَعَلَهُ آمِنًا بِهَذَا الْفِعْلِ وَوَصَفَ قَوْمَهَ بِأَنَّهُمُ الظَّالِمُونَ لِأَنَّ الْكُفْرَ مِنْهُمْ ظُلْمٌ لِأَنْفُسِهِمْ لِقَوْلِهِ: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لُقْمَانَ: ١٣] ثُمَّ إِنَّهُ سُبْحَانَهُ بَعْدَ أَنْ أَمَرَهُ بِالْحَمْدِ عَلَى إِهْلَاكِهِمْ أَمَرَهُ بِأَنْ يَدْعُوَ لِنَفْسِهِ فَقَالَ: وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً وَقُرِئَ مُنْزَلًا بِمَعْنَى إِنْزَالًا أَوْ مَوْضِعَ إِنْزَالٍ كَقَوْلِهِ لَيُدْخِلَنَّهُمْ مَدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ. وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُنْزَلِ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُرَادَ هُوَ نَفْسُ السَّفِينَةِ فَمَنْ رَكِبَهَا خَلَّصَتْهُ مِمَّا جَرَى عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْهَلَاكِ وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ أَنْ يُنْزِلَهُ اللَّه بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنَ السَّفِينَةِ مِنَ الْأَرْضِ مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ لِأَنَّهُ أُمِرَ بِهَذَا الدُّعَاءِ فِي حَالِ اسْتِقْرَارِهِ فِي السَّفِينَةِ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُنْزَلُ ذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ.
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحَانَهُ بِقَوْلِهِ: وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ أَنَّ الْإِنْزَالَ فِي الْأَمْكِنَةِ قَدْ يَقَعُ مِنْ غَيْرِ اللَّه كَمَا يَقَعُ مِنَ اللَّه تَعَالَى وَإِنْ كَانَ هُوَ سُبْحَانَهُ خَيْرَ مَنْ أَنْزَلَ لِأَنَّهُ يَحْفَظُ مَنْ أَنْزَلَهُ فِي سَائِرِ أَحْوَالِهِ وَيَدْفَعُ عَنْهُ الْمَكَارِهَ بِحَسَبِ مَا يَقْتَضِيهِ الْحُكْمُ وَالْحِكْمَةُ، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّ فِيمَا ذَكَرَهُ مِنْ قِصَّةِ نُوحٍ وَقَوْمِهِ لَآيَاتٍ وَدَلَالَاتٍ وَعِبَرًا فِي الدُّعَاءِ إِلَى الْإِيمَانِ وَالزَّجْرِ عَنِ الْكُفْرِ فَإِنَّ إِظْهَارَ تِلْكَ الْمِيَاهِ الْعَظِيمَةِ ثُمَّ الْإِذْهَابَ بِهَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ الْمَقْدُورَاتِ، وَظُهُورُ تِلْكَ الْوَاقِعَةِ عَلَى وَفْقِ قَوْلِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَدُلُّ عَلَى الْمُعْجِزِ الْعَظِيمِ وَإِفْنَاءُ الْكُفَّارِ وَبَقَاءُ الْأَرْضِ لِأَهْلِ الدِّينِ وَالطَّاعَةِ مِنْ أَعْظَمِ أَنْوَاعِ الْعِبَرِ.
أَمَّا قَوْلُهُ: وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ، وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ فِيمَا قَبْلُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ/ يَكُونَ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ فِيمَا بَعْدُ، وَهَذَا هُوَ الْأَقْرَبُ لِأَنَّهُ كَالْحَقِيقَةِ فِي الِاسْتِقْبَالِ، وَإِذَا حُمِلَ عَلَى ذَلِكَ احْتَمَلَ وُجُوهًا:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الْمُكَلَّفِينَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ أَيْ فَيَجِبُ فِيمَنْ كَلَّفْنَاهُ أَنْ يَعْتَبِرَ بِهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ وَثَانِيهَا: أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ لَمُعَاقِبِينَ لِمَنْ سَلَكَ فِي تَكْذِيبِ الْأَنْبِيَاءِ مِثْلَ طَرِيقَةِ قَوْمِ نُوحٍ وَثَالِثُهَا: أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ كَمَا نُعَاقِبُ مَنْ كَذَّبَ بِالْغَرَقِ وَغَيْرِهِ فَقَدْ نَمْتَحِنُ بِالْغَرَقِ مَنْ لَمْ يُكَذِّبْ عَلَى وَجْهِ الْمَصْلَحَةِ لَا عَلَى وَجْهِ التَّعْذِيبِ، لِكَيْ لَا يُقَدَّرَ أَنَّ كُلَّ الغرق يجري على وجه واحد.
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٣١ الى ٤١]
ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ (٣١) فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٣٢) وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ (٣٤) أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥)
هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ (٣٦) إِنْ هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧) إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (٣٨) قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ (٣٩) قالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ (٤٠)
فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤١)
الْقِصَّةُ الثَّانِيَةُ- قِصَّةُ هُودٍ أَوْ صَالِحٍ عَلَيْهِمَا السلام
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.