فَقِيلَ فَاعِلٌ بِأَلِفٍ فَاصِلَةٍ بَيْنَ الْفَاءِ وَالْعَيْنِ الَّتِي هِيَ مِنْ أَصْلِ الْكَلِمَةِ، وَقِيلَ مَفْعُولٌ بِوَاوٍ فَاصِلَةٍ بَيْنَ الْعَيْنِ وَاللَّامِ وَالتَّأْنِيثُ كَانَ بِحَرْفٍ فِي آخِرِ الْكَلِمَةِ فَالْمُمَيِّزُ فِيهِمَا غَيَّرَ نَظْمَ الْكَلِمَةِ لِشَدَّةِ الْحَاجَةِ وَفِي التَّأْنِيثِ لَمْ يُؤَثِّرْ، وَلِأَنَّ التَّمْيِيزَ فِي الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ كَانَ بِأَمْرَيْنِ يَخْتَصُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِأَحَدِهِمَا فَالْأَلِفُ بَعْدَ الْفَاءِ يَخْتَصُّ بِالْفَاعِلِ وَالْمِيمُ وَالْوَاوُ يَخْتَصُّ بِالْمَفْعُولِ وَالتَّمْيِيزُ فِي التَّذْكِيرِ وَالتَّأْنِيثِ بِحَرْفٍ عِنْدَ وُجُودِهِ يُمَيَّزُ الْمُؤَنَّثُ وَعِنْدَ عَدَمِهِ يَبْقَى اللَّفْظُ عَلَى أَصْلِ التَّذْكِيرِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فَعِيلٌ يَمْتَازُ فِيهِ الْفَاعِلُ عَنِ الْمَفْعُولِ إِلَّا بِأَمْرٍ مُنْفَصِلٍ كَذَلِكَ الْمُؤَنَّثُ وَالْمُذَكَّرُ لَا يَمْتَازُ أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ إِلَّا بِحَرْفٍ غَيْرِ مُتَّصِلٍ بِهِ وقوله تعالى:
[[سورة الذاريات (٥١) : آية ٤٢]]
مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢)
وَفِيهِ مَبَاحِثُ:
الْأَوَّلُ: فِي إِعْرَابِهِ وَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: نُصِبَ عَلَى أَنَّهُ صِفَةُ الرِّيحِ بَعْدَ صِفَةِ الْعَقِيمِ ذَكَرَ الْوَاحِدِيُّ أَنَّهُ وَصْفٌ فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَكُونُ وَصْفًا وَالْمَعْرِفَةُ لَا تُوصَفُ بِالْجُمَلِ وَمَا تَذْرُ جُمْلَةٌ وَلَا يُوصَفُ بِهَا إِلَّا النَّكِرَاتُ؟ نَقُولُ الْجَوَابُ فِيهِ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَكُونُ بِإِعَادَةِ الرِّيحِ تَقْدِيرًا كَأَنَّهُ يَقُولُ: وَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ رِيحًا مَا تَذْرُ ثَانِيهِمَا: هُوَ أَنَّ الْمُعَرَّفَ نَكِرَةٌ لِأَنَّ تِلْكَ الرِّيحَ مُنْكَّرَةٌ كَأَنَّهُ يَقُولُ: وَأَرْسَلْنَا الرِّيحَ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مِنَ الرِّيَاحِ الَّتِي تَقَعُ وَلَا وَقَعَ مِثْلُهَا فَهِيَ لِشِدَّتِهَا مُنْكَّرَةٌ، وَلِهَذَا أَكْثَرَ مَا ذَكَرَهَا فِي الْقُرْآنِ ذَكَرَهَا مُنَكَّرَةً وَوَصَفَهَا بِالْجُمْلَةِ مِنْ جُمْلَتِهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ [الأحقاف: ٢٤] وقوله بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ سَخَّرَها [الحاقة: ٦، ٧] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ الْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ الْأَصَحُّ أَنَّهُ نُصِبَ عَلَى الْحَالِ تَقُولُ جَاءَنِي مَا يَفْهَمُ شَيْئًا فَعَلَّمْتُهُ وَفَهَّمْتُهُ أَيْ حَالُهُ كَذَا، فَإِنْ قِيلَ لَمْ تَكُنْ حَالُ الْإِرْسَالِ مَا تَذْرُ وَالْحَالُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا مَعَ ذِي الْحَالِ وَقْتَ الْفِعْلِ/ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ جَاءَنِي زَيْدٌ أَمْسِ رَاكِبًا غَدًا، وَالرِّيحَ بعد ما أرست بِزَمَانٍ صَارَتْ مَا تَذْرُ شَيْئًا نَقُولُ الْمُرَادُ بِهِ الْبَيَانُ بِالصَّلَاحِيَّةِ أَيْ أَرْسَلْنَاهَا وَهِيَ عَلَى قُوَّةٍ وَصَلَاحِيَّةٍ أَنْ لَا تَذْرَ، نَقُولُ لِمَنْ جَاءَ وَأَقَامَ عِنْدَكَ أَيَّامًا ثُمَّ سَأَلَكَ شَيْئًا، جِئْتَنِي سَائِلًا أَيْ قَبْلَ السُّؤَالِ بِالصَّلَاحِيَةِ وَالْإِمْكَانِ، هَذَا إِنْ قُلْنَا إِنَّهُ نُصِبَ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ رُفِعَ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ هِيَ مَا تَذْرُ.
الْبَحْثُ الثَّانِي: مَا تَذَرُ لِلنَّفْيِ حَالَ التَّكَلُّمِ يُقَالُ مَا يَخْرُجُ زَيْدٌ أَيِ الْآنَ، وَإِذَا أَرَدْتَ الْمُسْتَقْبَلَ تَقُولُ لَا يَخْرُجُ أَوْ لَنْ يَخْرُجَ، وَأَمَّا الْمَاضِي تَقُولُ مَا خَرَجَ وَلَمْ يَخْرُجْ، وَالرِّيحُ حَالَةَ الْكَلَامِ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ مَا تَرَكَتْ شَيْئًا إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ فَكَيْفَ قَالَ بِلَفْظِ الْحَالَةِ مَا تَذَرُ؟ نَقُولُ الْحِكَايَةُ مُقَدَّرَةٌ عَلَى أَنَّهَا مَحْكِيَّةٌ حَالَ الْوُقُوعِ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ [الْكَهْفِ: ١٨] مَعَ أَنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ الْمَاضِي لَا يَعْمَلُ وَإِنَّمَا يَعْمَلُ مَا كَانَ مِنْهُ بِمَعْنَى الْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ.
الْبَحْثُ الثَّالِثُ: هَلْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ مُبَالَغَةٌ وَدُخُولُ تَخْصِيصٍ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها [الْأَحْقَافِ: ٢٥] نَقُولُ هُوَ كَمَا وَقَعَ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَتَتْ عَلَيْهِ وَصْفٌ لِقَوْلِهِ شَيْءٍ كَأَنَّهُ قَالَ كُلُّ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ أَوْ كُلُّ شَيْءٍ تَأْتِي عليه جعلته كالرميم ولا يدخل فيه السموات لِأَنَّهَا مَا أَتَتْ عَلَيْهَا وَإِنَّمَا يَدْخُلُ فِيهِ الْأَجْسَامُ الَّتِي تَهُبُّ عَلَيْهَا الرِّيَاحُ، فَإِنْ قِيلَ فَالْجِبَالُ وَالصُّخُورُ أَتَتْ عَلَيْهَا وَمَا جَعَلَتْهَا كَالرَّمِيمِ؟ نَقُولُ الْمُرَادُ أَتَتْ عَلَيْهِ قَصْدًا وَهُوَ عَادٌ وَأَبْنِيَتُهُمْ وَعُرُوشُهُمْ وَذَلِكَ لِأَنَّهَا كَانَتْ مَأْمُورَةً بِأَمْرٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.