[[سورة النجم (٥٣) : آية ٤]]
إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحى (٤)
بِكَلِمَةِ الْبَيَانِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا قَالَ: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى [النَّجْمِ: ٣] كَأَنَّ قَائِلًا قَالَ: فَبِمَاذَا يَنْطِقُ أَعَنِ الدَّلِيلِ أَوْ الِاجْتِهَادِ؟ فَقَالَ لَا، وَإِنَّمَا يَنْطِقُ عَنِ اللَّهِ بِالْوَحْيِ، وَفِيهِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: إِنْ اسْتُعْمِلَتْ مَكَانَ مَا لِلنَّفْيِ، كَمَا اسْتُعْمِلَتْ مَا لِلشَّرْطِ مَكَانَ إِنْ، قَالَ تَعَالَى: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها [الْبَقَرَةِ: ١٠٦] وَالْمُشَابَهَةُ بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ وَالْمَعْنَى، أَمَّا اللَّفْظُ فَلِأَنَّ إِنْ من الهمزة والنون، وما مِنَ الْمِيمِ وَالْأَلِفِ، وَالْأَلِفُ كَالْهَمْزَةِ وَالنُّونُ كَالْمِيمِ، أَمَّا الْأَوَّلُ: فَبِدَلِيلِ جَوَازِ الْقَلْبِ، وَأَمَّا الثَّانِي: فَبِدَلِيلِ جَوَازِ الْإِدْغَامِ وَوُجُوبِهِ، وَأَمَّا الْمَعْنَى فَلِأَنَّ إِنْ تَدُلُّ عَلَى النَّفْيِ مِنْ وَجْهٍ، وَعَلَى الْإِثْبَاتِ مِنْ وَجْهٍ، وَلَكِنَّ دَلَالَتَهَا عَلَى النَّفْيِ أَقْوَى وَأَبْلَغُ، لِأَنَّ الشَّرْطَ وَالْجَزَاءَ فِي صُورَةِ اسْتِعْمَالِ لَفْظَةِ إِنْ يَجِبْ أَنْ يَكُونَ فِي الْحَالَةِ مَعْدُومًا إِذَا كَانَ الْمَقْصُودُ الْحَثَّ أَوِ الْمَنْعَ، تَقُولُ إِنْ تُحْسِنْ فَلَكَ الثَّوَابُ، وَإِنْ تسيء فَلَكَ الْعَذَابُ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بَيَانَ حَالِ الْقِسْمَيْنِ الْمَشْكُوكِ فِيهِمَا كَقَوْلِكَ: إِنْ كَانَ هَذَا الْفَصُّ زُجَاجًا فَقِيمَتُهُ نِصْفٌ، وَإِنْ كَانَ جَوْهَرًا فقيمته ألف، فههنا وُجُودُ شَيْءٍ مِنْهُمَا غَيْرُ مَعْلُومٍ وَعَدَمُ الْعِلْمِ حَاصِلٌ، وَعَدَمُ الْعِلْمِ هَاهُنَا كَعَدَمِ الْحُصُولِ فِي الْحَثِّ وَالْمَنْعِ، فَلَا بُدَّ فِي صُوَرِ اسْتِعْمَالِ إِنْ عَدَمٌ، إِمَّا فِي الْأَمْرِ، وَإِمَّا فِي العلم، وإما الْوُجُودِ فَذَلِكَ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ فِي بَيَانِ الْحَالِ، وَلِهَذَا قَالَ النُّحَاةُ: لَا يَحْسُنُ أَنْ يُقَالَ إِنِ احْمَرَّ الْبُسْرُ آتِيكَ، لِأَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ سَيُوجَدُ لَا مَحَالَةَ، وَجَوَّزُوا اسْتِعْمَالَ إِنْ فِيمَا لَا يُوجَدُ أَصْلًا، يُقَالُ فِي قَطْعِ الرَّجَاءِ/ إِنِ ابْيَضَّ الْقَارُ تَغْلِبْنِي، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي [الْأَعْرَافِ: ١٤٣] وَلَمْ يُوجَدِ الِاسْتِقْرَارُ وَلَا الرُّؤْيَةُ، فَعُلِمَ أَنَّ دَلَالَتَهُ عَلَى النَّفْيِ أَتَمُّ، فَإِنَّ مَدْلُولَهُ إِلَى مَدْلُولٍ مَا أَقْرَبُ فَاسْتُعْمِلَ أَحَدُهُمَا مَكَانَ الْآخَرِ هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَمَا يُقَالُ إِنْ وَمَا، حَرْفَانِ نَافِيَانِ فِي الْأَصْلِ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى التَّرَادُفِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: هُوَ ضَمِيرٌ مَعْلُومٌ أَوْ ضَمِيرٌ مَذْكُورٌ، نَقُولُ فِيهِ وَجْهَانِ أَشْهَرُهُمَا: أَنَّهُ ضَمِيرٌ مَعْلُومٌ وَهُوَ الْقُرْآنُ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: مَا الْقُرْآنُ إِلَّا وَحْيٌ، وَهَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ النَّجْمُ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ الْقُرْآنَ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ هُوَ الْقُرْآنُ فَهُوَ عائد إلى المذكور وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ عَائِدٌ إِلَى مَذْكُورٍ ضِمْنًا وَهُوَ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَلَامِهِ وَذَلِكَ لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى [النجم: ٣] فِي ضِمْنِهِ النُّطْقُ وَهُوَ كَلَامٌ وَقَوْلٌ فَكَأَنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ وَمَا كَلَامُهُ وَهُوَ نُطْقُهُ إِلَّا وَحْيٌ وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ أَبْعَدُ وَأَدَقُّ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ قَوْلُهُ تَعَالَى: مَا ضَلَّ صاحِبُكُمْ قَدْ ذُكِرَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ فِي وَجْهٍ أَنَّهُ مَا جُنَّ وَمَا مَسَّهُ الْجِنُّ فَلَيْسَ بِكَاهِنٍ، وَقَوْلُهُ وَما غَوى أَيْ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْغِوَايَةِ تَعَلُّقٌ، فَلَيْسَ بِشَاعِرٍ، فَإِنَّ الشُّعَرَاءَ يتبعهم الغاوون، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ قَوْلُهُ وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى رَدًّا عَلَيْهِمْ حَيْثُ قَالُوا قَوْلُهُ قَوْلُ كَاهِنٍ وَقَالُوا قَوْلُهُ قَوْلُ شَاعِرٍ فَقَالَ مَا قَوْلُهُ إِلَّا وَحْيٌ وَلَيْسَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ وَلَا شَاعِرٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ [الْحَاقَّةِ: ٤١، ٤٢] .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: الْوَحْيُ اسْمٌ أَوْ مَصْدَرٌ، نَقُولُ يَحْتَمِلُ الْوَجْهَيْنِ، فَإِنَّ الْوَحْيَ اسْمٌ مَعْنَاهُ الْكِتَابُ وَمَصْدَرٌ وَلَهُ مَعَانٍ مِنْهَا الْإِرْسَالُ وَالْإِلْهَامُ، وَالْكِتَابَةُ وَالْكَلَامُ وَالْإِشَارَةُ وَالْإِفْهَامُ فَإِنْ قُلْنَا هُوَ ضَمِيرُ الْقُرْآنِ، فَالْوَحْيُ اسْمٌ مَعْنَاهُ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.