فَصْلٌ: فِي الْقِنِيِّ وَالآبَارِ وَالأَنْهَارِ وَالشرب
قَالَ أَبُو يُوسُف: وَسَأَلْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ نَهْرٍ حَافَّتَاهُ صَارَا كِبْسًا١ عَلَى طَرِيقِ الْعَامَّةِ، حَتَّى أَضَرَّ ذَلِكَ بِمَنَازِلِ قَوْمٍ مِنْ فِعْلِ وَالٍ أَوْ أَمِيرٍ أَوْ مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِ، وَأَضَرَّ ذَلِكَ بِغَيْرِ وَاحِدٍ فِي مَنَازِلِهِمْ، فِي حَالِ أَنَّهُمْ يدْخلُونَ مَنَازِلهمْ فِي بهوط وَشِدَّةٍ، مَا الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ؟ أَيَكُونُ لِلإِمَامِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِطَمِّ هَذَا وَنَقْضِهِ إِذَا رُفِعَ إِلَيْهِ؟
قَالَ: إِنْ كَانَ هَذَا النَّهْرُ قَدِيمًا فَإِنَّهُ يُتْرَكُ عَلَى حَالِهِ، وَإِنْ كَانَ مُحْدَثًا مِنْ فِعْلِ وَالٍ أَوْ غَيْرِهِ نُظِرَ فِي ذَلِك إِلَى منعته وَإِلَى ضَرَرِهِ؛ فَإِنْ كَانَتْ مَنْفَعَتُهُ أَكْثَرَ تُرِكَ عَلَى حَالِهِ، وَإِنْ كَانَ ضَرَرُهُ أَكْثَرَ أَمَرْتَ بِهَدْمِهِ وَطَمِّهِ وَتَسْوِيَتِهِ بِالأَرْضِ، وَكُلُّ نَهْرٍ لَهُ مَنْفَعَةٌ أَكْثَرَ؛ فَلا يَنْبَغِي لِلإِمَامِ أَنْ يَهْدِمَهُ وَلا يَتَعَرَّضَ لَهُ , وَكُلُّ نَهْرٍ مَضَرَّتُهُ أَكْثَرَ مِنْ مَنْفَعَتِهِ فَعَلَى الإِمَامِ أَنْ يَهْدِمَهُ وَيَطُمَّهُ وَيُسَوِّيَهُ بِالأَرْضِ إِلا مَا كَانَ لِلشَّفَةِ٢ فَإِنْ كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى قَوْمٍ وَصَلاحٌ لآخرين فِي الشقة لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ، وَإِنْ تَعَرَّضَ لَهُ قَوْمٌ فَسَدُّوهُ أَوْ طَمُّوهُ بِغَيْرِ إِذْنِ الإِمَامِ فَيَنْبَغِي لِلإِمَامِ أَنْ يَأْمُرَ بِرَدِّهِ إِلَى حَالِهِ وَأَن يوجعوا عُقُوبَةً لأَنَّ شُرْبَ الشَّفَةِ غَيْرَ شُرْبِ الأَرَضِينَ شُرْبُ الشَّفَةِ نَرَى الْقِتَالَ عَلَيْهِ، وَلأَصْحَابِ الشَّفَةِ مِنْ هَذَا النَّهْرِ أَنْ يَمْنَعُوا رَجُلا أَنْ يَسْقِيَ زَرْعَهُ مِنْ ذَلِكَ وَنَخْلَهُ وَشَجَرَهُ وَكَرْمَهُ إِذَا كَانَ يَضُرُّ بِأَصْحَابِهِ٣.
وَسَأَلْتَ عَنْ نَهْرٍ بَيْنَ قَوْمٍ خَاصَّةٍ يَأْخُذُ مِنْ دِجْلَةَ أَوِ الْفُرَاتِ، أَرَادُوا أَنْ يُكْرُوهُ أَوْ يَحْفُرُوهُ؛ فَكَيْفَ الْحَفْرُ عَلَيْهِمْ؛ فَإِنَّهُمْ يَجْتَمِعُونَ جَمِيعًا فَيُكْرُونَهُ مِنْ أَعْلاهُ إِلَى أَسْفَلِهِ؛ فَكُلَّمَا جَازُوا أَرْضَ رَجُلٍ رُفِعَ عَنْهُ الْكِرَى، وَكَرَى بَقِيَّتُهُمْ كَذَلِكَ حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى أَسْفَله
١ كبس الهر طمه بِالتُّرَابِ.٢ أَي للشُّرْب دون ري الأَرْض.٣ إِذا كَانَ لَا يكفيهم لشرب أنسهم وبهائمهم.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.