للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
ص:

فَلَقَدْ فَرَّ مُصْعَبٌ بِدِينِهِ إِلَى الْحَبَشَةِ، وَخَلَّفَ وَرَاءَهُ مَرَاتِعَ (١) الطُّفُولَةِ وَمَغَانِيَ الشَّبَابِ، وَعِزَّةَ النَّسبِ …

وَاسْتَبْدَلَ بِذَلِكَ كُلِّهِ؛ بُعْدَ الدَّارِ وَوَحْشَةَ الْغُرْبَةِ، وَضَنْكَ الْفَقْرِ.

وَلَكِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ كَانَ قَلِيلًا هَيِّنًا عِنْدَهُ؛ فِي جَنْبِ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَمَرْضَاةِ رَسُولِهِ ﷺ.

وَلَمَّا عَادَ مُصْعَبٌ مِنْ هِجْرَتِهِ الْأُولَى؛ أَنْكَرَهُ (٢) النَّاسُ؛ حَتَّى كَادُوا لَا يَعْرِفُونَهُ … فَالْفَتَى الطَّرِيرُ (٣) النَّضِيرُ؛ قَدْ مَسَّهُ الضُّرُّ …

فَرَثَّتْ ثِيَابُهُ؛ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ زَاهِيَةً …

وَخَشُنَ جِلْدُهُ؛ بَعْدَ أَنْ كَانَ غَضًّا بَضًّا …

وَتَخَدَّدَ (٤) وَجْهُهُ؛ بَعْدَ أَنْ كَانَ أَسِيلًا (٥) مُشْرِقًا.

لَقَدْ رَآهُ الرَّسُولُ الْكَرِيمُ ﷺ مُقْبِلًا وَعَلَيْهِ جِلْدُ كَبْشٍ (٦) مُمَزَّقٌ؛ قَدْ تَمَنْطَقَ بِهِ؛ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ:

(انْظُرُوا إِلَى هَذَا الْفَتَى الَّذِي قَدْ نَوَّرَ اللَّهُ قَلْبَهُ …

لَقَدْ رَأَيْتُهُ بَيْنَ أَبَوَيْنِ يَغْذُوَانِهِ بِأَطْيَبِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ …

فَدَعَاهُ حُبُّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى مَا تَرَوْنَ).

* * *


(١) مَرَاتِعَ الطُّفُولَة: الديار التي رتع فيها ولعب وهو صغير.
(٢) أَنْكَرَهُ النَّاس: لم يَتَعَرَّفوا عليه.
(٣) طرير: ذو شارب.
(٤) تخدد وجهه: ضَمُرَ وتَجَعَّدَ.
(٥) الأَسِيل: اللين المستوي الأملس.
(٦) الكَبْش: ذَكَر الضَّأْن.