التأخير في ظاهر الرواية لأنه لما تيقن به في آخر الوقت فقد أمن من الفوات، ولما لم يثبت بعد المسافة التشكيك فيه لم يثبت جواز التيمم فيجب التأخير.
أما لو غلب على ظنه ذلك فكذلك عندهما في غير رواية الأصول؛ لأن الغالب كالمتحقق، وفي ظاهر الرواية لا يجب التأخير لأن العجز ثابت لعدم الحقيقة.
وحكم هذا العجز - وهو جواز التيمم - لا يزول إلا بيقين مثله - وهو التيقن بوجود الماء في آخر الوقت - ولم يوجد فلا يجب التأخير، ولكن هذا الوجه لائح عن محل، ويلزم عليه أنه فرق هاهنا بين غلبة الظن واليقين فيه، ولم يفرق بينهما فيما إذا غلب على ظنه أن بقربه ماء في عدم جواز التيمم، ولا فيما إذا كانت المسافة بعيدة في جواز التيمم كما بينا، فالأظهر بقاء الإشكال.
وفي الْمُجْتَبى: في هذه المسألة إن لم يرج لا يؤخر، كذا عن علي، وفي الأصل: أحب إليَّ أن يؤخر، ولم يفصل، ولا يؤخر العصر إلى تغير الشمس والمغرب عن أول وقته.
وقيل: يؤخره إلى ما قبل غيبوبة الشفق، وعن حماد والشافعي لا يؤخر، روي أن هذا أول واقعة خالف أبو حنيفة أستاذه حمادًا فصلى حماد بالتيمم في أول الوقت، ووجد أبو حنيفة الماء في آخر الوقت وصلاها، وكان ذلك عن اجتهاده فقبلها الله تعالى منه وصوبه فيه (١).
وفي الحلية: فإن لم يكن على ثقة من وجود الماء في آخر الوقت ولا على إياس من وجوده فالأفضل أن يصلي بالتيمم في أول الوقت في أصح القولين، وهو اختيار المزني، والثاني أن التأخير أفضل، وعن أبي حنيفة روايتان كالقولين، وقال النواوي (٢): التأخير أفضل بكل حال، وبه قال أحمد (٣)، وقال
(١) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢٤٨). (٢) هكذا في الأصول، وفي مطبوع حلية العلماء: (الثوري)، وهو الأشبه. (٣) انظر: المغني لابن قدامة (١/ ١٧٨)، والإنصاف للمرداوي (١/ ٣٠٠).