صدق وقوم صير لا تستخف لهم حفيظة، ولا يرد بحنقها لهم صدور مغيظة. ولهذا أمراء الروم لا يطأون لهم موطئًا يغيظ، ولا يواطئون لهم عدة شهور في مشتى ولا مقيظ، وما أحد ممن يحسدهم على ما آتاهم الله من فضله إلا من يستجيش عليهم بالتتار ويعدد عليهم عظائم الذنوب الكبار ووقاية الله تكفيهم وحياطته عن عيون القوم تخفيهم، ولقد كان السلطان محمود غازان يقول: أنا أطلب الياغي (١) شرقًا وغربًا والياغي في ثوبي عن أولاد قرمان، ومع هذا لم يسلط عليهم، وحكى لي الصدر شمس الدين عبد اللطيف أخو النجيب أنه قال يومًا: لولا الأكراد وأولاد قرمان و تركمان الروم دست بخيلي مغرب الشمس.
قال: وكان لا يريد بعد الشام إلا لهم ومع هذا ما قدر عليهم، ولو خلا وجهه لما انصرف إلا إليهم.
ولما استفحل أمر جويان بك (٢) بمملكة إيران وكان هو حقيقة السلطان، واستولى ابنه تمرتاش (٣) على الروم وانتزع به عدة ممالك، وجد في طلب الباقي، رأت أولاد قرمان مصافاة أبيه جويان واستدفعت به شر ابنه طول ذلك الزمان مع ما كان لهم من العناية الإلهية والإعانة من سلطاننا عز نصره. ولولا هذا لأتى عليهم، وسلبوا النفس والنفائس لما كان عند جارهم الجائر من الاستعداد ولموالاة التكفور متملك الأرمن لرفع الشكوى عليهم في كل وقت، وتضوّره مما ينوب أهل بلاده منهم، وتضرره مما ينوء به من ثقل وطأتهم، وكانوا في تلك السنين خائفين يترقبون المصابحة والمماساة، وينتظرون البيات والمقيل.
قلت: ولأهل هذا البيت روعة في قلوب التكفور والأرمن. وفي كل وقت يبعث التكفور يسأل بروز المراسم المطاعة إلى أميرهم بالكف عن بلاده وهو لا يغمد سيف جهاده. لا يرعى للأرمن حق جوار ولا يدخل في سمعه لضجيجهم جوار. يشن عليهم في كل وقت غاراته ويجوس خلال ديارهم جيوشه و سراياه وكرسيه مدينة أرمناك
(١) الباغي: كلمة تركية بمعنى المتمرد «فرهنك رازي ١٠٣٤». (٢) كان جوبان أمير الأمراء في عهد السلطان أبي سعيد بهادر خان، وقد استولى على الأمر، وحجر على تعرفات السلطان حتى لم يكن بيده من الملك إلا الأسم، وكان ابن جوبان المسمى خواجه يفتك بحريم والد السلطان، فقتل أبو سعيد ابن الجوبان وثار جوبان وأولاده وقتل والي خوارزم جوبان وولدًا له «رحلة ابن بطوطة ١٥٢ - ١٥٣». (٣) هو دمر طاش بن جوبان وكان قد فر إلى مصر وقتل هناك «رحلة ابن بطوطة ١٥٣».