على ذروة جبل أرزاقه متسعة وخيراته كثيرة وبينها وبين العلاية ثلاثة أيام، ولقد يحكى عن أميرها القائم الآن بدر الدين أنه افتض ألف بكر، ويوصف من كرمه أنه يطلق كل ما يملك من صامت وناطق حتى لا يدع له شيئًا البتة، ثم يتمول فإذا أثرى أطلق كل ما يملكه حتى لا يدع له شيئًا هكذا دأبه، وبهذا يعرض على الله حسابه.
قلت: ولقد وصل من سنين أخوه الأمير بهاء الدين موسى بن قرمان إلى الحضرة السلطانية، وأقام مديدة بالباب الشريف، ثم توجه لأداء فريضة الحج، وعاد إلى الحضرة وحرّك العزائم الشريفة على قصد الأرمن وارتجاع ما يلي الممالك الإسلامية من نهر جهان، ثم عاد إلى بلاده وعومل بالجميل في إصداره وإيراده، وأجلس مع أكابر الأمراء أمراء المشورة، وأجرى في تكبير القدر مجراهم وطلب منشورًا سلطانيًا ببلاد من مملكة التكفور يولي سيفه انتزاعها واستعادة ضالتها من أيديهم وارتجاعها، فكتب له على ما طلب وما أخذها إلى الآن ولكنه في الطلب.
هذه جملة بمعنى ما ذكره العريان وما انساق في انبائها من أمور هذه البلاد.
وأما ما ذكره بلبان الجنوي عتيق الأمير الكبير بهادر المعزّي، وهو ممن له الخبرة التامة بما يحكيه، وهو الذي أفاد كيفية تصوير هذه البلاد. واسم هذا بلبان في بلاده دومانوكين دوريا بن بادا دوريا، وهو من بيت حكم في جنوة (١) اتفق أنه جمعت بيني وبينه المقادير في الاعتقال وعنه أخذت ما قال:
حدثني: أن هؤلاء أمراء الأتراك الذين بالروم الآن أبناء أمرائها الأول وممن تأخر عن سالف تلك الدول وهم فيها إلى يومنا هذا من بقايا تلك البقية، وممن نضت عنهم برود الأيام السلجوقية استقرّ بأيديهم الجبل وبأيدي بيت هولاكو السهل وجميع هؤلاء الأمراء الأتراك تقرّ لصاحب كرمان وتذعن له بعض الإذعان وتجريه في كثير من أحوالها مجرى السلطان وتعترف له بالتقديم وله على بعضهم مقرر لا ينقص، وعلى بعضهم هدايا بحسب الأوقات، وهو في ظاهر الحال فيهم الملك المطاع والبقية له أتباع أو كالأتباع تكاتبه في معضلات الأمور، وتتيمن برأيه، ويقوى بعضهم على بعض بمعاضدته، وتسر بخلعه وإنعاماته وتقاليده وتكريماته، وهو وإن لم يقدر على إمضاء الولاية والعزل فيهم؛ فإن له عندهم مكانة لا يجهل مقدارها وغاية
(١) كان أهل جنوه أهل سفر وترحال لهم حي في القسطنطينية.