محدثة البناء كانت ديرًا يتديره الرهبان، ثم كثروا فكبروا بناءه وكثروا ابناءه، وأوى إليهم أناس من مجاوريهم من النصارى فقامت لهم به أسواق ودارت لهم به معايش، وأوت إليه الفرنج فأدارت أسواره فصار مدينة مشهورة، ثم بنوا حصنه فكانت قلعة مذكورة، فاستولى عليها الفرنج حتى فتح في زمان السلطان الملك الناصر صلاح الدين أبي المظفر يوسف بن أيوب، رحمه الله تعالى.
وهو في مكان صعب المرتقى لا تلين عقارب صخوره للرقى، قد زاحم الشعرى العبور بمناكبه، وعلا في السماء فالقى الهلال ثقل راكبه، وقعد من البر المقفر على نشز عال لا يبلغه النسر إلا محلقًا، ولا يغدو مصباح الصباح إلا على شرفاتها معلقًا. فلهذا اتخذته الملوك لمالها حرزًا ولمالها كنزًا. ولم يزل لأولاد السلاطين في الأمور ملجا ومن الدهر منجا.
وماؤها من مطر السماء، وله واد تتفجر عيونه بالماء، وهو بلد خصب وإقبال، ومنبت زرع ومسرح مال.
وفيه يقول القاضي الفاضل: «وكان الكرك شجى في الحناجر وقذى في المحاجر، ورصد الطرقات المسلوكة وصبر في السبل المشكوكة، قد أخذ من الآمال بمخنقها، وقعد بأرصاد العزائم وطرقها، وصار دينًا للدهر في ذلك الفجر، وعذرًا لتارك فريضة الله من الحج، وجلس من هام الإسلام مكان عمامته، وجثم على أنفاس الحجاز فلم يدع نفسًا يصعد من تهامته؛ فواديه من مائل المعاقل بمجمعها، وظله من نجوم الأسنة بمطلعها، وهو والشوبك سر الله الآخر كبيت الواصف للأسدين:[من المنسرح]
وكفى إشارة أنه مكان الغزاة ومقرها، ومستودع الفريضة ومستقرها، مجاورته لتبوك وغزاتها آخر الغزوات النبوية، وإلى طريقه انتهت الخطى الحميدة المحمدية، والعمل على آخر الأعمال الشرعية، والوقوف عنده إشارة لا تخفى على الأفهام اللوذعية. وتحف بهذه القلعة مدينة قد عقل الجبل حبوتها، وأزلق الغراب أن يطأ ذروتها، وعصم سوار الوادي الملوك معصمها، وحمت غرة الوادي المطل أدهمها، فمنكبها حاطم والله يحطمه، وفمها من ندى الغمام راضع ومهد المنجنيق يفطمه،