مدينة (١) قديمة جليلة، وكانت في القديم أكبر مما هي الآن وأعظم في كثرة الأهل والبنيان. بناها الإسكندر ذو القرنين على شاطئ البحر الرومي، وكان بها على ما يقال سرير ملكه ومستقر أمه. وجميع بنائها بالحجر والكلس مبيضة البيوت باطنًا وظاهرًا كأنها الحمامة البيضاء، ذات شوارع مشرعة، وسيعة الأرجاء، كل خط بذاته كأنها رقعة الشطرنج، يستدير بها أسوار ممنعة وبروج محصنة، عليها السهام المسترة، والمجانيق المنصوبة، وبها عسكر مستخدم لحفظها. وليس بالديار المصرية مدينة حاكمها مرسوم بنيابة السلطنة سوى الإسكندرية، لا يزال أهلها على يقظة من أمور ومخالسة العدو.
وبها الديار الجليلة والجوامع والمساجد والربط والخوانق والمشاهد والفنادق والرباع والأسواق الممتدة، ومعامل البز والقماش والطرز الفائق المثل، وإليها تهوي ركائب التجار برًا وبحرًا من كل فج عميق ومكان سحيق، وليس في الدنيا نظير شربها وطرازها المعمول بها والمحمول إلى أقطار الأرض شرقًا وغربًا، منها من الحفير المنسرح بالذهب والفضةوالمقصب بالقصب وطرد الوحش المنوع، والجر والمنقوش والممزج والمدفون والدبيقي والساذج والمفترح والمقاطع والممرس والشرب الخام والمقصور وبدلات المقانع وأنواع المقصبات والملون بالذهب والفضة والملاءات والفوط من كلها لا شبيه لرقمه ولا نظير لحسنه، يباع كل يوم فيها بآلاف مؤلفة من الذهب الأحمر ولا ينفد متاعها ولا يقل موجودها.
وبالإسكندرية معاملة الدرهم السواد حقيقة مقصورًا عليها، لا يخرج في سواها
(١) راجع عن الإسكندرية: مروج الذهب ١/ ١١٤ - ١١٥ و ٢/ ٧٣ و ٩٩ - ١٠٩، معجم البلدان ١/ ٢٥٦ - ٢٦٥، الصبح ٣/ ٤٠٣ - ٤٠٤، الخطط ١/ ١٤٤ - ١٧٥، رحلة ابن بطوطة ١/ ١٢ - ٢٢، حسن المحاضرة ١/ ٨٤ - ٨٨، «تاريخ الإسكندرية من أقدم العصور»، مجموعة مقالات نشرتها محافظة الإسكندرية سنة ١٩٦٣، زكي علي: «الإسكندرية»، تأسيسها وبعض مظاهر الحضارة فيها في عصر البطالمة، مجلة كلية الآداب - جامعة الإسكندرية (٢١٩٤٤) ١١٧ - ١٧٨ و ٤ (١٩٣٨) ١٢١ - ١٤٠، جمال الدين الشيال: «الإسكندرية - طبوغرافية المدينة وتطورها من أقدم العصور إلى الوقت الحاضر»، المجلة التاريخية المصرية (٢) أكتوبر (١٩٤٩) ١٩١ - ٢٧١ وله أيضًا: «تاريخ مدينة الإسكندرية في العصر الإسلامي» (الإسكندرية ١٩٦٧)، حسن عبد الوهاب: «الإسكندرية في العصر الإسلامي»، مجلة الكتاب (يناير ١٩٤٧) -، السيد عبد العزيز سالم: تاريخ الإسكندرية وحضارتها في العصر الإسلامي (الإسكندرية ١٩٦٩ و ١٩٨٢).