للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

يهشم الخبز ويصب عليه المرق ويجعل عليه اللحم، وإنما كانت العجم تجعل المرق في صحاف واللحم في المرق ويأتدمون بذلك، ولم يكونوا رأوا الثريد فسمي هاشم «بهشيم الثريد». وفيه يقول شاعرهم بمكة (١): [من الكامل]

عمرو العلا هَشَمَ الثريد لقومه … ورجال مكة مُسْنَّتُونَ عِجاف

وهو أول من فعله من العرب والعجم. فدعاه قيصر، فلما رآه وكلمه أعجبه إعجابًا عظيمًا، فقال له هاشم: أيها الملك إن لي قومًا هم تجار العرب، فإن رأيت أن تكتب لي كتابًا تؤمنهم فيه على أنفسهم وما معهم من المال والبضائع وغير ذلك، فإنهم يقدمون عليك بما تستظرفه من أدم الحجاز وثمره وغير ذلك مما يصير إليهم ولا يبلغك من طرف البلاد. فأمر أن يكتب له كتاب جامع للعرب، وأخذه هاشم وسار فصار كلما جاء حيًا من أحياء العرب على طريق الشام أخذ من أشرافهم إيلافًا - والإيلاف أن يأمنوا عندهم وفي ارضهم على أنفسهم وأموالهم - وأخذ هاشم الإيلاف من جميع القبائل ممن بينه وبين الشام حتى قدم مكة فأتاهم بشيء لم يأتهم بمثله أحد قط، فسروا بذلك سرورًا عظيمًا، وخرجوا بتجارة عظيمة، وخرج هاشم معهم يحوطهم ويؤمنهم ويجمع بينهم وبين رؤساء العرب في جميع طريقهم حتى ورد بهم الشام فأحلهم غزة. ومات هاشم في ذلك السفر فدفن بغزة.

ثم خرج أخوه المطلب إلى اليمن ففعل كفعل هاشم بالشام وأخذ من ملوك اليمن عهدًا لمن يجيء ويسافر إليهم من قريش، ثم أقبل يأخذ الإيلاف ممن يمر به من العرب حتى أتى مكة، كما فعل هاشم، وكان المطلب أكبر ولد عبد مناف وكان يسمى «الفيض» لكرمه. وهلك المطلب بردمان من أرض اليمن في سفرة سافرها.

وخرج عبد شمس بن عبد مناف إلى ملك الحبشة فأخذ منه كتابًا وعهدًا لمن يجيء من قريش ورجع يأخذ الإيلاف من كل من مر به من العرب من بلاد الحبشة إلى أن أتى مكة - كما فعل هاشم والمطلب - فمات بمكة وقبره بالحجون، وكان أكبر من هاشم.

وخرج نوفل بن عبد مناف - وكان أصغر إخوته - إلى العراق فأخذ عهدًا من كسرى، ثم عاد يأخذ الإيلاف إلى أن أتى مكة. ثم رجع تاجرًا إلى العراق، فمات بسلمان في طريق العراق.


(١) في الطبقات الكبرى ١/ ٤٣ نسب ابن سعد البيت إلى عبد الله بن الزبعرى، وفي الطبري ١/ ٨٨، أنه لمطرود بن كعب الخراعي، لكن العمري يرجح نسبته إلى ابن الزبعرى.
«انظر: ص ١٢٠ - ١٢١».

<<  <  ج: ص:  >  >>