قال لي شيخنا الحجة فريد الدهر وارث العلم والحكمة أبو الثناء محمود بن أبي القاسم الأصفهاني - أطال الله بقاءه -: إِنَّ أرسطو استأثر بكتب الهند لما غلب الإسكندر على أرضهم واستفاد ما فيها، ثم أمر بها فَحُرِقَتْ حتى لا تنسب حكمتها إلا إليه، ولا تعرف إلا به.
فاعرف من أين الأصل؟، ولأي الأفقين الحكم الفصل؟ هذا إذا لم يَرُدَّ عليك من يأتي بنيانك من القواعد، ويقول: صحيح إِنَّ مدينة اليونان في الغرب؛ ولكن قد تدبر الجانب الشرقي منهم أناس، وسكن شرقي الخليج القسطنطيني منهم فرق.
وقد قرر ابن سعيد المتعصب لكم، والمنتصر لبلادكم: أَنَّ الخليج القسطنطيني فاصل بين الشرق والغرب، فأما غالب المتأخرين، بل جملة الآخرين، فإنهم في الشرق بلا نزاع ولا دفاع، وفيهم من بَدْ الأوائل، واستدرك ما فاتهم من الفضائل.
وأما حكماء الهند - وهم قبل اليونان السابقون الأولون، والحفظة المحصلون - فما سمع أن أحدًا منهم تزحزح عن مكانه، ولا رضي مثلما رضوا به بدلًا من أوطانه، وهذا فخر لا يُدْفَعُ، ودليل لا يُرفع، وعلى تقدير أن يسلّم أن مدينة اليونان مُفضَّلة بهم وإن نزحوا عنها، وأن لليونان الفضل الباهر - اتبعوا أم ابتدعوا - فمدينتهم لتُوغلها في الشمال أشبه بأن تنسب إليه من الغرب، وهي حقيقة أقرب إلى المحيط بالشمال منها إلى المحيط بالغرب، وذلك مؤيد - فيما ذكرنا - لكل مقال، قاطع لكل جدال؛ فهي شمالية لا مغربية، ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ (١).
فأما أصحاب الموسيقى وإجادة الغناء، فلمن تقدم من هؤلاء الحكماء في الموسيقى ما يؤخذ عنهم علمه اليقين. وأما توقيع الألحان، وترتيب الأنغام، فإذا طالعت جامع أبي الفرج الأصفهاني في كتاب الأغاني، هداك النفس الطيب، وعلمت إلى الشرق أم إلى الغرب يميل سمعك، وبأيهما يهتز عطفك، وما قصبات السبق إلا لمعبد مثل: ابن مسجح، وابن محرز، وابن سريج الهذلي، والغريض، ومالك بن أبي السمح، ومعبد، وحنين الحيري، وحكم الوادي، وإبراهيم الموصلي، وابن إسحاق، وابن جامع، ويحيى المكي، ومخارق، وعزة الميلاء، وبصبص، وسلامة، وحبابة، والزرقاء جارية ابن زامين، وعنان جارية الناطفي، وبدل الكبيرة، وغريب، وغير هؤلاء ممن تصغي الصم لسماعه، وتغني الطير على إيقاعه. يتمنى كل ذي أذن لو كان له