فحينئذ صار الناس بالغرب ناسًا، وإلا فقد كانوا كالبُهم السائمة؛ فمن ذلك الوقت تكلّموا باللغة العربية، وامتازوا بالنطق على كثير الحيوان، وكان ما أخلقه الشرقُ لهم جديدًا. هذا بالأندلس، وأبقيت بقية الغرب على ما هم عليه، ما تحلّى لهم عاطل، ولا عرف منهم إنسان إلى المائة الرابعة، فدبّ فيهم ماء الإنسانية، وراقت فيهم بشاشة الأدب، وأضحت تعدّ مع المدن قراها، وتكلم مع الناس أهلها إلى أيام المرابطين، ثم الموحدين، ثم ملوكها الآن من بني مرين؛ فانهم مَصَّروا مدنها ومُدّنوا قراها وأجلوا جليلها، وكثروا قليلها فصارت لا تُقَصَّر في مضمار، ولا تُردّ عن غاية.
وهل في الغرب من الفلاسفة والحكماء مثل الشرق؟ فأما قبل الإسلام، فالمرجع إلى حكماء اليونان والهند، ومن اليونان مثل: فيثاغورس، وأرسطيغوس، وديوجانس، وفورون، وأرسطاطاليس، وسقراط.
ومن الهند مثل: كنكة الهندي، وطمطم الهندي، وصاحب كتاب السند هند في الفلك، وصاحب كتاب باقر في الموسيقى، وصاحب كتاب العدد، وصاحب كتاب كليلة ودمنة؛ وهل مثل هذا الكتاب في إصلاح الأخلاق وتهذيب النفوس؟!.
وأما من كان في الإسلام فمثل: عبد الله بن المقفع، ومحمد بن إبراهيم الفزاري، والحسن بن الآدمي، وأبي جعفر محمد بن موسى الخوارزمي، ويحيى بن أبي منصور المنجم، وخالد بن عبد الله المروزي، والعباس بن سعيد الجوهري، وأحمد بن مروان السرخسي، ومحمد بن زكريا الرازي - طبيب المسلمين غير مدافع - وأبي نصر محمد بن نصر الفارابي - فيلسوف المسلمين غير مدافع - ويعقوب بن طارق - صاحب كتاب المثالات - وما شاء الله الهندي، وأبي محمد بن ذي الدمينة الهمداني، وعمر بن فرحان الطبري، وأبي سهل بن نوبخت، وأبي جعفر بن محمد البلخي - منجم المسلمين غير مدافع - وطراز الدهر الرئيس أبي علي بن سينا، والإمام الحجة فخر الدين محمد بن عمر بن خطيب الري الرازي.
هل وَلَدَ الغرب أمثالهم؟! أم حذا في الأنموذج؟، إنَّ الدهر بمثلهم لعقيم، ولا عصبية للعظم الرميم، بل هو منهج الحق القويم، ومبهج الصدق المستقيم.
فان قلت أيها القائل: لِمَ خلطت بهؤلاء اليونان ومدنيتهم واقعة في الغرب بلا خلاف؟!.
قلنا: قد نسلِّم إليك أنَّ في الغرب مدنيتهم، ومن أرضه طينتهم، ولكن من الشرق أصل مددهم، وحاصل ذات يدهم؛ فإنهم إنما أخذوا عن حكماء الهند غالب علومهم، وغامض معقولهم، ومنهم أوقدوا مصابيح أفهامهم.